الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 13 أيلول 2026. موعظة الأحد الرابع والعشرون من الزمن العادي

2026-Sep-13 | عظات | 34

يش 27، 30 – 28، 7        رو 14، 7 – 9   متى 18، 21 - 35 

 

السؤال الذي يطرح نفسه: هل المغفرة هي النسيان؟ لا، التسامح ليس نسيانًا. التسامح وصية، بينما لا يمكن للنسيان أن يكون وصية! قد يكون النسيان نعمة أو مرضًا، لكنه ليس وصية. يقول أحدهم: إن الله يغفر بالنسيان، أما الإنسان فيغفر بالتذكر. ربما ينسى الله، لكننا لا نستطيع التحكم بالنسيان. وعلينا أن نغفر دون أن ننسى، لأن المغفرة وصية. وصية صعبة، بالطبع، لكنها نافعة.

يقول يسوع: «من لا يغفر لا يُغفر له»، وهذا أمر غريب ومثير للقلق. لأن من يجب أن يغفر قد أُسيء إليه. وإذا لم يُغفر الذنب، فكأنه يُعاقب بشكل مضاعف! وهنا تكمن المفارقة، التي يمكن حلّها بالقول إن الغفران يُحررنا من الإساءة التي ارتُكبت بحقنا. الغفران تحرير، ولكنه يتطلب نضالًا شاقًا. سؤال: هل يُمكننا أن نغفر لمن لا يطلب الغفران، لمن لا يُقرّ بالإساءة؟ إنه سؤال يُحيّر الكثيرين... لا شك، الأمر أصعب بالفعل.

لكن دعونا نتذكر أن أول من نُساعده بالغفران هو أنفسنا. إذا طلب المُسيء الغفران، فمن الأسهل بالطبع أن نغفر له، ولكن إن لم يفعل، فماذا نفعل بالإساءة؟ هل سنتركها تتفاقم فينا وتنشر سمومها؟ فالنضال وعملية الغفران، على العكس، يكمنان في وضع الإساءة خارجاً عنا. يعتبر الكثيرون أن المغفرة هي شكلًا من أشكال اللطف المُفرط، أو حتى نوعًا من الجبن. فلماذا نقول إن الغفران، في الحقيقة، يُحرر؟ هناك درجاتٌ عديدةٌ للتسامح. ليس من الصعب مسامحة من ظلمك.

نحن نتحدث بالأحرى عن مسامحة من آذاك بشدة، أو خانك، أو افترى عليك. جميعنا مررنا بذلك في مرحلةٍ ما. بشكلٍ عفويٍّ وطبيعيٍّ، نتفاعل بالانتقام، ونُنمّي في أنفسنا شعورًا بالظلم، ونُقنع أنفسنا بأننا غير سعداء... نحن مدعوون للتغلب على هذا الشعور من خلال التسامح، وهذا ليس بالأمر السهل، ولا هو عاطفيٌّ! قال نيتشه إن المسيحيين يسامحون لأنهم يفتقرون إلى الشجاعة للسعي للانتقام. لكن التسامح ليس أقلّ شأنًا من الانتقام؛ بل هو أسمى منه.

أنا أسامح لأني أؤمن أن التسامح يحمل في طياته حياةً وأملًا أكثر من الانتقام. إن لم أسامح، سأبقى أسيرًا للإساءة. ديزموند توتو، رئيس أساقفة جنوب إفريقيا الأنجليكاني، الذي ناضل من أجل طيّ صفحة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. كتب كتابه «لا مستقبل بدون غفران»، مؤكدًا أن بلاده لا يمكنها التقدم ما لم تتجاوز الفئتان اللتان تشكلانها الجرح العميق الذي ألحقته إحداهما بالأخرى. يصف في كتابه رسمًا لجنديين يقفان أمام نصب تذكاري للحرب.

يسأل أحدهما الآخر: «هل غفرت لمن أسروك؟» فيجيب الآخر: «لا، لم أفعل قط». فيقول له الأول: «إذن أنت لا تزال أسيرًا». إن لم تغفر، فأنت تبقى أسيرًا لمن ظلمك. يبقى السؤال: هل يمكننا أن نغفر دون أن ننسى؟ أليست الغفران والتذكر متناقضين؟ الغفران يعني وضع الإساءة في مكانها الصحيح. عندما نتعرض للإساءة أو نمر بوقت عصيب، فإنها تميل إلى أن تستحوذ على كل تفكيرنا. ونشعر أن حياتنا بأكملها مُثقلة بتلك المحنة أو الظلم الذي لحق بنا.

الغفران يعني وضع الإساءة في مكانها الصحيح، والابتعاد عنها تدريجيًا حتى نتمكن من تذكير أنفسنا بأننا أسمى مما صُوِّرنا به. وهكذا، نستطيع تجاوز الإساءة والتغلب عليها. عمليًا، إنه صراع شاق للغاية. بالتأكيد، لا يكفي أن نقول «أنا أغفر» لنغفر حقًا. الغفران، كالحزن، ليس عملية خطية. قد يحدث، في لحظات ضعفنا، أن تعود الإساءة لتطاردنا. إنها عملية طويلة وشاقة، ولا تعيدنا إلى الوضع الذي كان قبل الإساءة.

لنأخذ قصة يعقوب وعيسو من الكتاب المقدس. يغتصب يعقوب بكورية أخيه ويذهب للعيش في الخارج لمدة عشرين عامًا تقريبًا. ثم، يشتاق إلى وطنه، فيعود إلى أخيه. كيف سيكون اللقاء؟ في الليلة السابقة، يحدث صراع غامض مع الملاك، ثم يجد يعقوب أخاه ويتعانقان. يقترح عيسو أن يسيرا معًا، لكن يعقوب يرفض قائلًا: «قد تعترض غنمي طريق غنمك؛ اذهب يمينًا، وسأذهب شمالًا». مجرد المصالحة لا تعني بالضرورة أن يعيشا معًا مرة أخرى.

ومجرد أننا سامحنا لا يعني أننا لا يجب أن نحمي أنفسنا من التعرض للأذى مجددًا. ملاحظة: في الواقع، لا أحد بمنأى عن الانتكاس. لكن عندما نتمكن من النأي بأنفسنا عن الإساءة، عندما لا تعود تستحوذ على حياتنا، عندما نستطيع أن نحب من جديد، وأن نضع خططًا، وأن نحافظ على علاقات سليمة، قد لا نكون قد سامحنا تمامًا، لكننا نكون قد فعلنا ما هو مطلوب منا، وهو أن نواصل مسيرتنا رغم الجرح الذي بداخلنا.

SHARE