موعظة يوم الأحد 15 آذار 2026. موعظة الأحد الرابع من زمن الصوم
1 صم 16، 1 – 13 أف 5، 8 – 14 يو 9، 1 – 42
«في ذلك الزّمان: بَينَما يَسوعُ سائِر، رأَى رَجُلاً أَعْمى مُنذُ مَولِدِه. فسأَلَه تَلاميذُه: «رابِّي، مَن خطئ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟ فأَجابَ يسوع: «لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله». يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني. فاللَّيلُ آتٍ، و لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل فيه. ما دُمتُ في العالَم. فأَنا نورُ العالَم. قالَ هذا وتَفَلَ في الأَرض، فجَبَلَ مِن تُفالِه طينًا، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى، ثمَّ قالَ له: «اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ»، أَي الرَّسول. فذَهَبَ فاغتَسَلَ فَعادَ بَصيرًا. فقالَ الجيرانُ والَّذينَ كانوا يَرونَه مِن قَبلُ لأَنَّه كانَ شحَّاذًا: «أَما هو ذاكَ الَّذي كانَ يَقعُدُ فيَستَعْطي؟» ومنهم من قال: «إِنَّه هو». ومنهم من قال «لا، بل يُشبِهُه». أَمَّا هوَ فكانَ يقول: «أَنا هو». فقالوا له: «فكَيفَ انفَتَحَت عَيناكَ؟» فأَجابَ: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُقالُ لَه يسوع جَبَلَ طينًا فطَلى بِه عَينَيَّ وقالَ لي: «اِذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل. فذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ». فقالوا له: «أَينَ هو؟» قال: «لا أَعلَم» فَذَهبوا إِلى الفِرِّيسيِّبنَ بِذاكَ الَّذي كانَ مِن قَبْلُ أَعْمى. وكانَ اليَومُ الَّذي فيه جَبَلَ يسوعُ طينًا وفَتحَ عيَنَيِ الأَعمى يَومَ سَبْت. فسأَلَهُ الفِرِّيسيُّونَ أَيضًا كَيفَ أَبصَر. فقالَ لَهم: «جَعَلَ طينًا على عَينَيَّ ثُمَّ اغتَسَلتُ وها إِنِّي أُبصِر». فقالَ بَعضُ الفِرِّيسيِّين: «لَيسَ هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لأَنَّه لا يَحفَظُ شَريعةَ السَّبْت». وقالَ آخَرون: «كَيفَ يَستَطيعُ خاطِئٌ أَنَ يَأتيَ بِمثِلِ هذهِ الآيات؟» فوَقَعَ الخِلافُ بَينَهم. فقالوا: أَيضًا لِلأَعمى: «وأَنتَ ماذا تَقولُ فيه وقَد فَتَحَ عَينَيكَ؟» قال: «إِنَّهُ نَبِيّ». على أَنَّ اليَهودَ لم يُصَدِّقوا أَنَّه كانَ أَعْمى فأَبصَر، حتَّى استَدْعَوا والِدَيه. فسأَلوهما: «أَهذا ابنُكما الَّذي تَقولانِ إِنَّه وُلِدَ أَعمى؟ فكَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن؟» فأَجابَ والِداه: «نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا ابنُنا، وأَنَّه وُلِدَ أَعْمى. أَمَّا كَيفَ أَصبَحَ يُبصِرُ الآن، فلا نَدْري، ومَن فَتَحَ عَينَيه فنَحنُ لا نَعلم. اسألوه، إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، سَيَتكلَّمُ هو بِنَفسِه عن أَمرِه». وإِنَّما قالَ والِداهُ هذا لِخَوفِهِما مِنَ اليَهود، لأَنَّ اليَهودَ كانوا قدِ اتَّفَقوا على أَن يُفصَلَ مِنَ المِجمَعِ مَن يَعتَرِفُ بِأَنَّه المسيح. فلِذَلكَ قالَ والِداه: إِنَّه مُكتَمِلُ السِّنّ، فاسأَلوه. فَدَعَوا ثانِيَةً الرَّجُلَ الَّذي كانَ أَعمى وقالوا له: «مَجِّدِ الله، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ خاطِئ». فأَجاب: «هل هو خاطِئٌ لا أَعلَم، وإِنَّما أَعلَمُ أَنِّي كُنتُ أَعْمى وها إِنِّي أُبصِرُ الآن». فقالوا له: «ماذا صَنَعَ لكَ؟ وكَيفَ فتَحَ عَينَكَ؟» أَجابَهم: «لقد قُلتُه لَكم فلَم تُصغُوا، فلِماذا تُريدونَ أَن تَسمَعوه ثانِيَةً؟ أَتُراكم تَرغَبونَ في أَن تَصيروا أَنتُم أَيضًا تَلاميذَه؟» فشَتَموه وقالوا: «أَنتَ تِلميذُه، أَمَّا نَحنُ فَإِنَّنا تَلاميذُ مُوسى. نحَنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسى، أَمَّا هذا فلا نَعلَمُ مِن أَينَ هو».أجابَهُمُ الرَّجُل: «فعَجيبٌ أَن لا تَعلَموا مِن أَينَ هو وقَد فتَحَ عَينَيَّ. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين، بل يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه. ولَم يُسمَعْ يَومًا أَنَّ أَحدًا مِنَ النَّاسِ فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى. فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئًا». أَجابوه: «أَتُعَلِّمُنا أَنتَ وقد وُلِدتَ كُلُّكَ في الخَطايا؟» ثُمَّ طَردوه. فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه. فلَقِيَه وقالَ له: «أَتُؤمِنُ بِابنِ الإِنسان؟» أَجاب: «ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟» قالَ له يسوع: «قد رَأَيتَه، هو الَّذي يكَلِّمُكَ». فقال: «آمنتُ، يا ربّ» وسجَدَ له. فقالَ يسوع: «إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون». فسَمِعَه بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا معَه فقالوا له: «أَفنَحنُ أَيضًا عُمْيان؟» قالَ لَهم يسوع: «لو كُنتُم عُمْيانًا لَما كانَ علَيكُم خَطيئة. ولكِنَّكُم تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة».»
الموعظة
الآيات الكتابية الأكثر تكراراً في العهد الجديد هي الآية من سفر أشعيا القائلة: «لهم عيون ولا يبصرون وآذان ولا يسمعون». بالنسبة للإنجيل، الأمر الذي يدهش أكثر ليس شفاء العميان إنما بالأحرى من لهم عيون ولا يبصرون... فكيف يمكننا أن نكون عميان؟ عميان بخصوص الله ومسيحه، المرسل؛ عميان بخصوص أخينا الحاضر أمامنا كالغني ولعازر الفقير، عميان بخصوصنا كالغني الذي بنى أهراءً؟ فالسؤال ليس «أن نرى أو لا نرى» بقدر ما هو «ماذا يمكننا أن نعمل لكي نرى ما يجب أن نراه بالفعل».
فيلم روسي اسمه «الجزيرة» نرى فيه أحد الرهبان الأرثوذكس الملقب بالقديس الذي تأتي إليه الناس طالبين منه النصيحة. هذا الراهب اسمه اناطولي لديه موهبة خاصة: إنه يرى.. يرى على طريقة يسوع. يرى كما رأى يسوع ماضي وحاضر المرأة السامرية. فهو لا يرى أولاً ظاهر الشخص إنما القلب والحياة. أمر مدهش وغريب مما يجعلنا نتساءل لماذا هذه الموهبة نادرة الوجود. فالبصر بهذه الطريقة، البصر على طريقة المسيح، يتضمن أن نجاهد ضد تجربتين مهمتين.
التجربة الأولى هي بدون شك الكبرياء فهذه العطية تشكل سلطة هائلة، مدهشة: أن ننظر في قلب الآخر كما نقرأ في الكتاب! هذا يتطلب الكثير من التواضع الحقيقي لكي لا نمجد أنفسنا، لكي لا نحول هذا البصر إلى «وسيلة معينة». والتجربة الثانية هي أن ننظر إلى أنفسنا بنفس الطريقة وبذات النور دون أن نحكم على أنفسنا ولا أن نيأس مما نرى. لأنه في الحقيقة نوهم أنفسنا بخصوص الآخر كما نوهم أنفسنا بخصوص ذاتنا. ونحكم على الآخر كما نحكم على أنفسنا.
والفريسيين في نص اليوم هم بدون شك أفضل تعبير عن هذا الأمر. فالموضوع هو أن نرى ذاتنا كمخلوقين من الله، محبوبين منه هو مصدر كل عطاء. بهذه الطريقة يرى يسوع: إنه يقرأ قلب الإنسان، «إنه يعلم ما في الإنسان» (يو 2، 25). إنه يرى ما لا يُرى، يرى ما هو جوهري، ما هو وراء الظاهر وبالتالي ما هو أهم: إنه يرى كما يرى الله وهذه النظرة، يريد أن يرممها فينا. فالمسيح يرى ويجعلنا نرى: فالسامرية تقول له: «أرى أنك نبي».
والأعمى يبدأ بأن يرى ما في قلب الفريسيين، كما يرى من هو يسوع، رجل آتٍ من الله «فلو لم يكن هذا الرجل من الله، لما استطاع أن يصنع شيئاً» يقول الأعمى للفريسيين. فالمسيح قادر أن ينظر بهذه الطريقة لأن لا وجود للكبرياء في حياته، لأنه عندما ينظر إلى ذاته لا يرى فيها سوى عطاء الله، كما يرى في كل إنسان مخلوق ومحبوب من الله؛ لهذا السبب يستطيع أن يرى في الآخر ويقرأ ما في قلبه. لأنه يحترمه بشكل مطلق على أنه مخلوق من الله أيَّ كان ماضيه. ونحن مدعوين بدورنا أن نرى ونجعل الآخرين يرون بهذه الطريقة.
كم من المرّات لا نرى سوى الظاهر وما هو سطحي؟ كم من المرّات نجد أنفسنا «عميان يقودون عميان»؟ فنحن لا نرى كما يرى الله، فكيف يمكننا أن نرى الآخر كما يراه المسيح؟ فلنطلب من الله أن يعطينا أن نرى كما يرى هو، أن نرى في أنفسنا كما نرى في قريبنا لنقرأ عطايا الله ودعوته؛ لكي عندما نرى بعضنا بعضاً، لا ننظر لما هو ظاهر وسطحي وما يراه العالم إنما أن نكون قادرين على أن نرى أبناء الآب، وعطايا الله.