الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 22 شباط 2026. موعظة الأحد الأول من زمن الصوم

2026-Feb-22 | عظات | 20

تك ٢: ٧-٩؛ ٣: ١-٧     رو ٥: ١٢-١٩     متى ٤: ١-١١  

 

«ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع. فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له: إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة. فأَجابَه: مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله. فمَضى بِه إِبليسُ إِلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل، وقالَ لَه: إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ. فقالَ له يسوع مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ. ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، وقالَ له: أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً. فقالَ له يسوع: اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد.  ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه».

الموعظة

بالتمعّن، نجد أن قراءاتنا الثلاث تُشير إلى الاتجاه نفسه. فهي ترمز إلى مسيرة الإنسان برمتها، وتدعونا لاكتشاف معناها. في جوهرنا، نحن فريسةً لخوفٍ أساسي: الخوف من أن لا نوجد بالكفاية، من أن نكون قاصرين، من أن نكون غير كافيين. من هنا ينشأ الإغراء. إغراء أن نكون كل شيء، أن نسيطر على كل ما هو موجود، أن نُثبت لأنفسنا أننا لسنا لا شيء، لا بل نحن أُناس مهمين.

تقول الحية رمز الحيلة: «ستكونون كالآلهة، تحكمون بين الخير والشر». لا شك أننا مدعوون لنصبح مثل الله، إذ لا وجود لنا إلا من خلال كوننا على صورته، ولكن لا نستطيع الاستيلاء على هذه الصورة بقوتنا الذاتية؛ إنما من خلال بالثقة في الله. هذه الثقة، هذا التبادل مع الله، هو ما يجعلنا مثله، فهو جوهر العلاقات. تكمن الكذبة، التي تهددنا، في رؤية الله كاذبًا، متسلطًا، يخشى، مثلنا، أن تُسلب منه سلطته، فيدافع عن نفسه بالنهي. كل هذا نجده في كلام الحية، وسنوضحه من خلال تجارب بني إسرائيل في الصحراء.

في قراءتنا الأولى، نجد أن الرغبة في أن نكون مثل الله، مع تصورنا له بخيلًا مخادعًا، تقودنا إلى اكتشاف عُرينا الجوهري، الذي يملأنا منذ ذلك الوقت، بالخزي. أُعلن يسوع، بالمعمودية، ابنًا لله، وامتلأ بالروح القدس. مباشرة، يقوده روح الله الساكن فيه إلى الصحراء حيث سيواجه روح الشر. سيعيش من جديد تجربة بني إسرائيل في مواجهة النقص. أربعون عامًا للشعب، أربعون يومًا رمزية لحياة كاملة بالنسبة للمسيح. يريدنا الإنجيلي أن نفهم أن يسوع، منذ البداية، تغلب على إغراء المسيحانية القائمة على السلطة والهيمنة.

ومع مرور الأيام، سيُضطر إلى اتخاذ هذا الخيار مرة أخرى، وهو أن يضع نفسه في موضع الخادم ويبذل حياته لكي يحيا الآخرون. يُجرب بعدم الذهاب إلى أورشليم حيث سيُصلب. ومع ذلك، سينطلق «بإصرار» إلى المدينة التي تقتل الأنبياء (لو 9، ​​51). في متى (16، 23)، يصبح سمعان، هذا التلميذ الذي أُعلن للتو بطرس، الصخرة التي ستُبنى عليها كنيسة قادرة على مقاومة قوى الشر، هو المُجرب وسيُصف ب «الشيطان» «إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لِأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر» يقول له يسوع.

حتى اللحظة الأخيرة، سيُجرَّب يسوع للتهرب من مكانة المسيح المصلوب، لكنه سيختار الخضوع لإرادة الآب، التي هي، رغم ظاهرها،  إرادة محبة «يا أَبَتِ، إِن شِئْتَ فَٱصرِفْ عَنِّي هٰذِه الكَأس… ولٰكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ!». بالطبع، ما نقرأه هنا ليس فقط صراع المسيح، بل هو، مُلخَّص ومُعلن فيه، صراع البشرية جمعاء، صراع كل واحد منا، وصراع الله من أجل البشرية. «إن كنت ابن الله فحول هذه الحجارة إلى أرغفة».

دعونا نرى إن كان هذا صحيحًا أم لا. في الصحراء تساءل العبرانيون: «هل يستطيع الله أن يبسط مائدة في البرية؟» (مز 78، 19). في الواقع التجربة

التجربة تنعكس: تحدي الله لكي يصنع من الحجارة أرغفة، يعني تجربته. ويسوع يُجرَّب لكي يجرب الله. سيقاوم، ولهذا سيدعونا إلى الإيمان دون رؤية. إنه يشير إلى كلمة الله «بل بكل لكمة تخرج من فم الله». وليس من قبيل المصادفة أن جميع إجاباته على المجرب هي اقتباسات من سفر التثنية، «الشريعة الثانية». وهكذا، يجب أن نؤمن بفضل كلمة الله التي تأتينا من الله عبر الرسل، التي نقلتها الكنيسة.

مضمون التجارب الثلاث؛ يهدف إلى جعلنا نعتقد أننا قادرون على كل شيء وأننا نستطيع أن نصبح سادة العالم. من السهل أن نرى ما تُقابله في حياتنا الحالية. فجميع أيديولوجياتنا تُجسدها. وقد لوحظ مرارًا أن هذه التجارب تتخفى في ثوب الخير. إنتاج الثروة والسلع الاستهلاكية، وتحدي قوانين الطبيعة والسيطرة عليها، وجمع الشعوب لإجبارها على الوحدة والسلام ــــ أي شيء أفضل من ذلك؟ من الصعب تمييز الحد الذي، بمجرد تجاوزه، يحوّل شيئًا ما من الخير إلى الشر.

سيتحمل يسوع شرنا من أجل أن يولد الخير، وسيتحمل الموت من أجل أن يحوله إلى مكان للولادة. 

SHARE