موعظة يوم الأحد 1 شباط 2026. موعظة الأحد الرابع من الزمن العادي
صفنيّا 2، 3؛ 3، 12 – 13 1 قور 1، 26 – 31 متى 5، 1 – 12
«في ذَلِكَ الزَّمان، لَمّا رَأى يَسوعُ الجموع، صَعِدَ الجبل وَجَلَس، فَدَنا إِلَيهِ تَلاميذُهُ. فَشَرَعَ يُعَلِّمُهُم، قائِلًا: طوبى لِفُقَراءِ الروح، فَإِنَّ لَهُم مَلَكوتَ السماوات طوبى لِلوُدَعاء، فَإِنَّهُم يَرِثونَ الأرض طوبى لِلمَحزونين، فَإِنَّهُم يُعَزَّون. طوبى لِلجِياعِ والعطاش إِلى البر، فَإِنَّهُم يُشبَعون. طوبى لِلرُّحَماء، فَإِنَّهُم يُرحَمون. طوبى لِأَطهارِ القلوب، فَإِنَّهُم يُشاهِدونَ الله. طوبى لِلسّاعينَ إِلى السلام، فَإِنَّهُم أَبناءَ الله يُدعَون. طوبى لِلمُضطَهَدينَ عَلى البر، فَإِنَّ لَهُم مَلكوتَ السماوات. طوبى لَكُم، إِذا شَتَموكُم واضطهدوكم وافتروا عَلَيكُم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم».
الموعظة
إن كان هناك رغبة مشتركة بين البشر جميعاً، رغبة نجدها لدى الأغنياء والفقراء، لدى المؤمنين وغير المؤمنين، فهي بدون شك الرغبة في السعادة: جميعنا بدون استثناء نريد أن نكون سعداء على هذه الأرض. المشكلة هي أننا لسنا متفقين على معنى «أن نكون سعداء». اللاهوتي توما الأكويني، بعد الكثير من المفكرين الذين سبقوه كان يقول بأن «كثير من الناس يعتقدون بأن التطويبة، أي السعادة، هذا الخير الكامل للإنسان، يكمن في الغنى، وآخرون يعتقدون بأنه يكمن في اللذة، وآخرون في أشياء أخرى».
واليوم كثيرون هم الأشخاص الذين يفكرون بالطريقة عينها. كل شيء نسبي وهذا مرتبط بكل إنسان، والمهم، والجوهري هو أن ننمو ونكتشف في عمق ذاتنا، إن كان ممكناً مع كسب جيد للمال والقيام ببعض السفريات الحفاظ على توازننا. فالسؤال هل السعادة هي عبارة عن صَدَفة فارغة يملئها كل إنسان بحسب رغبته؟ إن أردنا الاعتماد على الله لينيرنا فنعرف ما يجب القيام به لنكون سعداء، فمن المؤكد أن الإصغاء لنص إنجيل اليوم، التطويبات، بطريقة سطحية قد يقودنا إلى الكثير من سوء فهم خطير.
أول سوء فهم هو الاعتقاد بأن نص التطويبات يحتفظ بمستمعي يسوع في
عالم غير واقعي ذات لطافة غير طبيعية حيث علينا أن نكون حول يسوع على الجبل خارجاً عن مشاكل العالم. ولكن هذه الصورة الساذجة للخراف التي تصغي بغباء لراعيها ليست صائبة عندما نعي بأن التطويبات تذكر مرتين إمكانية الاضطهاد «طوبى للمضطهدين من أجل البر... طوبى لكم إذا اضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من أجلي». وبشكل أخص عندما نعلم مصير هذا الراعي، الموت على الصليب.
إذا كان الإنجيل لطيف أكثر من اللازم فهذا ليس لفترة طويلة، أو هذا ليس إنجيل المسيح الذي يقودنا سريعاً إلى أرض الواقع، واقع يُصلِب. قد نعتقد بأن التطويبات تدفعنا للبقاء في الألم، في البكاء والفقر والحزن واعدةً إيانا بمكافأة في العالم الآخر «طوبى للفقراء، للحزانى...». إن أردنا أن نكون سعداء بحسب المسيح فعلينا أن نبقى فقراء، صغار لطفاء وأن نتألم بصمت «طوبى للودعاء، للرحماء...». وكلنا نعلم بأن المعترف عليه هو أن المسيحية هي ديانة الضعيف وهذا هو سوء الفهم الثاني.
هنا أيضاً من يدافع عن هذه الأطروحة في الكنيسة أو خارجها يجهل إنجيل المسيح الذي هو بشرى سارّة للجميع وبشرى سارّة قاطعة. لأنه متى تلذذ المسيح وتلاميذه بالألم والبكاء والاضطهاد؟ ألم يُظهروا بالأحرى صرامة واستمرارية مدهشة بمحاربتهم حتى النهاية للكذب وعدم العدالة وانحراف الدين؟ فعندما نقرأ الإنجيل علينا القيام بذلك في روح المسيح موجهين نظرنا لما قاله وقام به ولكيفية تصرفه... وإلاَّ نقول أيّ كلام! التطويبات هي إعلان انتصار، انتصار على منطق العالم وقوانينه الجسدية التي تميل دائماً لتمجيد الحميّة والحماس والحكمة البشرية والقوة بهدف الإغراء وشلل البشر:
«ما كان في العالم من حماقة فذاك ما اختاره الله ليخزي الحكماء، وما كان في العالم من ضعف فذاك ما اختاره الله ليخزي ما كان قويا، ما كان في العالم من غير حسب ونسب وكان محتقرا فذاك ما اختاره الله: اختار غير الموجود ليزيل الموجود» القراءة الثانية. التطويبات تتوجه لتلاميذ المسيح لتعطيهم الشجاعة والتعزية والرجاء؛ لتقول لهم بأن الكلمة الأخيرة ليست للشقاء وأن الحياة لا تحدد بالمظهر وأن النضال حتى النهاية أمر يُستحق من أجل إعلان هذه الحقيقة.
ولأننا نعلن بأن المسيح قد انتصر، وأننا قادرون بدورنا على الانتصار مستندين إليه، فبإمكاننا أن ننعم ونسر منذ الآن. لا شك أنه من الضروري أن يكون قلبنا «مُرّتَّب» منظم لكي نستطيع سماع ذلك. إذا كنت غنياً بخيراتي بثقافتي بأفكاري المهمة دائماً بكل ما عليّ القيام به، باختصار غني بذاتي، يكون من الصعب جداً أن أكون مُستقبّلاً لهذه الرسالة التي هي في الحقيقة الرسالة الوحيدة التي تشير إليَّ طريق السعادة. يكون من الصعب جداً الخروج من ذاتي لكي أعطي ذاتي كلية للحياة.
فالذهاب إلى الجبل مع المسيح لسماع التطويبات، يعني القناعة بأنني لا أملك
وصفة للسعادة، يعني أنني لا أعرف كيف ولا القبول بأن آخر يعلمني ليشير إليّ الطريق، يعني المغامرة بإعطاء الثقة بتواضع وبقوة للمسيح. لنصل لكل واحد منّا، تلامذة للمسيح الذي لم يأتي للأبرار والمعافين بل من أجل الفقراء والخطأة، لكي يحافظ علينا في هذا التواضع، ولكي لا يتأخر لتعزيتنا كليّة وأن يُظهر ذاته للذين لم يعرفونه بعد.