موعظة يوم الأحد 25 كانون الثاني 2026. موعظة الأحد الثالث من الزمن العادي
أش 8، 23 –9، 1 – 3 1قور1، 10 – 17 متى 4، 12 – 23
«في ذلكَ الزَّمان: بلَغَ يسوعَ خَبرُ اعتِقالِ يوحنَّا، فلَجأَ إِلى الجَليل. ثُمَّ تَركَ النَّاصِرة وجاءَ كَفَرْناحوم على شاطِئِ البَحرِ في بِلادِ زَبولونَ ونَفْتالي فسَكَنَ فيها، لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: «أَرضُ زَبولون وأَرضُ نَفْتالي طَريقُ البَحرِ، عِبرُ الأُردُنّ، جَليلُ الأُمَم. الشَّعبُ المُقيمُ في الظُّلْمَة أَبصَرَ نُورًا عَظيمًا والمُقيمونَ في بُقْعَةِ المَوتِ وظِلالِه أَشرَقَ عليهمِ النُّور». وبَدَأَ يسوعُ مِن ذلك الحِين يُنادي فيَقول: «تُوبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات». وكانَ يسوعُ سائرًا على شاطِئِ بَحرِ الجَليل، فرأَى أَخَوَيْنِ هُما سِمعانُ الَّذي يُقالُ له بُطرُس وأَندَراوسُ أَخوهُ يُلقِيانِ الشَّبَكةَ في البَحر، لأَنَّهما كانا صَيَّادَيْن. فقالَ لَهما: «اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر». فتَركا الشِّباكَ مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه. ثُمَّ مَضى في طَريقِه، فرأَى أخَوَيْن، هُما يَعْقُوبُ ابنُ زَبَدَى، ويُوحَنَّا أَخوهُ، معَ أَبيهِمَا زَبَدى في السَّفينَة، يُصلِحانِ شِباكَهما، فدَعاهما. فَتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه. وكانَ يَسيرُ في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلِّمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ المَلَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة»
الموعظة
اعتقال يوحنا المعمدان كان بالنسبة ليسوع بمثابة إشارة. من الآن على يسوع أن يبدأ. وهذا ما حدث. دور السابق انتهى. ومتى يحدد بأن يوحنا كان يعمل في صحراء اليهودية، أي ليس بعيداً عن مدينة القدس، حيث يأتي إليه الناس. يسوع يترك اليهودية، إرث داوود الذي هو من سلالته، هنا حيث يوجد مركز المدينة مع المجمع. وينسحب إلى منطقة الجليل. ولوقا يكتفي بالتنويه إلى هذا الأمر، بينما لدى متى، هذا الانتقال إلى الجليل له معنى مهم.
مستشهداً بنص النبي أشعيا، الذي سمعناه، يريد أن يُفهمنا بأن يسوع يبدأ هنا إعلانه عن الملكوت، لأن النور أتى من الظلمة، كما يقول الإنجيلي يوحنا في مقدمته «فيهِ كانَتِ الحَياة والحَياةُ نورُ النَّاس والنُّورُ يَشرِقُ في الظُّلُمات ولَم تُدرِكْه الظُّلُمات» (1، 4 - 5). فالجليل، مع خليط شعبه من يهود ووثنيين ومعناه التاريخي، كانت «سمعته سيئة» بنظر اليهود. ومع ذلك ففي الجليل يضع متى ومرقس ولوقا جوهر عمل يسوع: لم يترك الجليل ليذهب إلى القدس إلاَّ مرّة واحدة، لكي يُقتل فيها.
والإنجيلي يوحنا، على العكس، يذكر أكثر من مرّة يذهب فيها يسوع إلى القدس، المدينة المقدسة. لكن بين هذه التنقلات يستقر يسوع في كفرناحوم. أتى وسكن فيها، ممّا يفترض أنه لم يكن يتنقل كثيراً كما نعتقد. من الآن لن نرى يسوع أبداً وحده، ما عدا بين حين وآخر، عندما كان ينعزل من أجل الصلاة. يوحنا المعمدان لم يطلب من مستمعيه أن يتبعوه: كان يكتفي بتوجيههم إلى «من يأتي بعده».
بينما يسوع على العكس كان يطلب منهم ترك كل شيء، مما يعني أننا وصلنا معه إلى إتمام أزمنة الانتظار والتهيئة. وعلى ضوء هذه الدعوة، نكتشف أمور عدة. أولاً أن عمل الله ليس عملاً مرغماً، إنما يطلب انتماءً حراً. كل نداءات المسيح تتميز بعبارة «من أراد، إن شئت»، سواء بشكل واضح أو غير مباشر. نكتشف أيضاً، أن الله بحاجة للبشر. فما يبنيه معنا هو الكنيسة، أي الاتحاد. والمسيح يصبح بلا جسداً خارجاً عنّا، عن الذين يسيرون معه.
أخيراً نعلم بأن دعوة المسيح هي دعوة للذهاب إلى النهاية. هناك انجذاب نحوه لدرجة أنه يجعلنا ندخل في وضعه كابن لله، يجعلنا مشاركين في طبيعته الإلهية كما تقول رسالة بطرس: «شَمَلَنا بِوافِرِ رَحمَتِه فوَلدَنا ثانِيَةً لِرَجاءٍ حَيٍّ بقِيامَةِ يسوعَ المسيحِ مِن بَينِ الأَموات، ولِميراثٍ غَيرِ قابِلٍ لِلفَسادِ والرَّجاسَةِ والذُّبول، مَحفوظٍ لَكم في السَّمَوات» (2 بط 1، 3 - 4). دعوة يسوع تدعونا لاتباعه إلى حيث يذهب. نتبعه على الصليب، بالتأكيد، أي حتى استقبال الجروحات التي تلحقها الحياة بنا.
لكن علينا أن لا ننسى بأن الصليب ليس له الكلمة الأخيرة وأن الموضوع يكمن في عبوره لكي ننتقل إلى الحياة والفرح. فإن اتبعنا المسيح أو لم نتبعه سوف نعرف الألم والموت. بينما دعوة المسيح هي وعد بعبورهم للوصول إلى الشاطئ الآخر. فالذين دعاهم يسوع على شاطئ البحيرة لم يكونوا يعلموا هذا الأمر. ومع ذلك، تركوا كل شيء وتبعوه. تركوا شباكهم، مراكبهم وأبيهم. أمّا الأم فليس لها من ذكر. ولكن هنا لا يمكننا إلاَّ أن نفكر بقول سفر التكوين «يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته» (تك 2، 24).
دعوة المسيح لها بعد عرسي، وهذا ما تؤكده نصوص أخرى، بشكل خاص رؤيا يوحنا. اتحاد للحياة، اتحاد للموت. اتحاد من أجل الحياة. يمكننا أيضاً أن نتذكر رحيل إبراهيم تاركاً أرضه وعشيرته وبيته. هنا أيضاً يبدأ تاريخ جديد، تاريخ العهود. مع يسوع يبدأ العهد الجديد والنهائي. تاركين من أجله أبيهم، مراكبهم وشباكهم، بطرس واندراوس، يعقوب ويوحنا، ثلث التلاميذ، ينتزعون أنفسهم من ماضيهم. وقد يمكننا القول بأنهم ينتزعون أنفسهم من أصلهم الإنساني! إنهم يدخلون في حياة جديدة، خليقة جديدة: «لا بد من الولادة من جديد»، يقول يسوع لنيقوديمس. «الولادة من الروح».
منذ تلك اللحظة أصبح التلاميذ كالهواء، أو كالريح إن صح التعبير، إذ لم نعد نعلم من أين يأتون ونجهل إلى أين يذهبون. وهم أيضاً يجهلون. فالمركبة والشباك كانت تؤمن المعيشة والأمان. والآن ها هم بدون سند، مكشوفين، في انتظار واثق لغذاء لا يعرفونه (يو 4، 32).