موعظة يوم الأحد 12 نيسان 2023. موعظة الأحد الثاني من زمن الفصح
أع 2، 42- 47 1بط 1، 3- 9 يو 20، 19- 31
«وفي مَساءِ ذلك اليَومِ، يومِ الأحد، كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود، فجاءَ يسوعُ ووَقَفَ بَينَهم وقالَ لَهم: السَّلامُ علَيكم! قالَ ذلك، وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه ففَرِحَ التَّلاميذُ لِمُشاهَدَتِهمِ الرَّبّ فقالَ لَهم ثانِيَةً: السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم على أَنَّ توما أَحَدَ الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع . فقالَ لَه سائِرُ التَّلاميذ: رأَينا الرَّبّ فقالَ لَهم: إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن وبَعدَ ثَمانِيةِ أَيَّامٍ كانَ التَّلاميذُ في البَيتِ مَرَّةً أُخْرى، وكانَ توما معَهم. فجاءَ يسوعُ والأبوابُ مُغلَقَة، فوَقَفَ بَينَهم وقال: السَّلامُ علَيكم! ثُمَّ قالَ لِتوما: هَاتِ إِصبَعَكَ إِلى هُنا فَانظُرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ فضَعْها في جَنْبي، ولا تكُنْ غَيرَ مُؤمِنٍ بل كُنْ مُؤمِناً. أَجابَه توما: رَبِّي وإِلهي فقالَ له يسوع: أَلِأَنَّكَ رَأَيتَني آمَنتَ ؟ طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا وأتى يسوعُ أَمامَ التَّلاميذ بِآياتٍ أُخرى كثيرة لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب، وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه»
الموعظة
«إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن». ونحن بشكل عام ننتقد توما على موقفه لدرجة أنه أصبح نموذجاً للشكاكين. فهل للشك من مكان في الإيمان المسيحي؟ حتماً، فالشك يساعد على تمييز الإيمان. نحن لا نعرف كل شيء عن الله دون أن نسأل أنفسنا أسئلة عن ظهوره أو عن كشفه لذاته.
وهكذا نميز ما يقوله المسيح عن الله من الصور التي لدينا عنه. ولكن بداية، يجب التأكيد على أن هناك شكلين من الشك: الشك المشكك والشك المنهجي. الشك المشكك هو لمن يستمتع بالشك والتشكيك من أجل الشك. الشك المنهجي هو الذي أصبح، منذ الفيلسوف رينيه ديكارت، الموقف المعتاد للعلم والبحث.
باختصار، الشك المنهجي هو الذي يتمثل في تمرير كل شيء عبر شاشات العقلانية النقدية. في موضوع الإيمان، هذا الشك المنهجي هو نهج يسعى لإثبات الإيمان بالمنطق والمنهج العقلاني. لكننا ندرك أن الإيمان ليس نتيجة منطق منهجي تم تنفيذه جيدًا حتى النهاية ويكون فيه الشك المنهجي إلزاميًا. فالإيمان هو من منطق آخر. نحن لا نشك دائمًا بنفس الطريقة، ولا للأسباب نفسها، ولا لنفس الغايات.
اليوم، في ضمير العديد من المسيحيين، الشك يكاد يعود إلى عالم الشر. وبالنسبة لهؤلاء المسيحيين، لا مكان للتلميذ توما في حياتهم. ومع ذلك، فإن المسيحي مدفوع إلى اقتفاء أثر طريقه، والتمييز، والفرز. يقول القديس بولس: «اختَبِروا كُلَّ شَيءٍ وتَمسَّكوا بِالحَسَن» (1 تس 5، 21). الشك يساعد على تمييز الإيمان، لا بل ينقي الإيمان.
كتب بيتر كريسولوجوس، لاهوتي من القرن السادس عشر: «يشك بعمق، من كان إيمانه أكثر عمقاً. لا يمكن أن ينخدع من لا يميل إلى قبول الإشاعات. «آدم، عديم الخبرة، سقط بسرعة كما آمن بسرعة». لذلك لا يوجد إيمان بدون تمييز وبدون سؤال وبدون شك. في الأساس، المسيح، الذي نحن مدعوين للثقة به، يكشف الله ويحجبه في آنٍ، وبالتالي يلتمس التواضع العلمي.
لم يكشف المسيح الله إلاَّ للصغار وللناس المنفتحين وليس للعلماء. إذا لم نأخذ الوقت الكافي للتحليل، فإننا مضطرون إلى خلط ما يقوله المسيح عن الله مع الصور التي لدينا عنه. فالشك المنهجي يسمح لنا بالمضي قدما. «إذا لم نعد نشك، فنحن لا نتقدم إلى الأمام، نتعثر، نتجمد». (الأسقف ألبرت روية).
لا يمكن البحث عن الله باتباعنا طريق هادئ، وتدريجي دون أن «نتعثر» في إيماننا. علينا أن نتعلم العبور من خلال «الضباب». كانت هناك عصور في الكنيسة لم يكن من الممكن فيها التساؤل عن أي شيء أو لمس أي شيء: كان الإيمان يبدو ككتلة مبهمة وأي استجواب يعتبر تدنيسًا للمقدسات. لكن مثل هذا السلوك اليوم له عيوب كثيرة، لأنه يمنع العلاقة مع التاريخ ويتمسك ويتجمد في التفاصيل.
يظهر التاريخ الحديث أن الكنيسة قبلت الحوار مع أولئك الذين تحدوا الإيمان وشككوا فيه. لقد قبلت، على سبيل المثال، وبطريقة صادقة، أن تسمع وتحمل في داخلها الأسئلة التي أثارها أولئك الذين أُطلق عليهم فلاسفة الشك مثل ماركس وفرويد ونيتشه…. وسألوا المسيحيين عن طريقة إيمانهم.
يكتب القديس أغسطينوس في كتابه عن الثالوث في الفصل 10: «إذا شك الإنسان، فهو يفهم. إذا شك، فهو يريد أن يكون على يقين؛ إذا شك، فهو يفكر. إذا شك، فهو يحكم أنه لا ينبغي أن يستخف بموافقته». فالشك أمر لا مفر منه وحرية السؤال بطريقة ما هي أمر أساسي لأولئك الذين يلتزمون في طريق روحي.
يُظهر الإنجيل الكثير من الناس، بمن فيهم الرسل، الذين يعرفون أن إيمانهم ليس على المستوى .... إنهم يأتون إلى المسيح بنقاط ضعفهم وجروحهم ونقصهم. لا يزيل المسيح عنهم هذه الحدود التي تنتمي إلى مجال الوضع البشري وليس من مجال الخطيئة. الشك يسير مع الإيمان، لأنه لا ثقة بغير مسافة أو بعد.
فالشك موجود داخل الإيمان ويمنع الإيمان من أن يكون مجرد معرفة. دعونا ننهي هذه الملاحظات مع اللاهوتي اليسوعي جوزيف موان: «الشك جزء لا يتجزأ من أي بحث عن الحقيقة وعن أي علاقة إنسانية. في بعض الأحيان، نتركه يتبع طريقه، مهما كان مزعجاً، لأننا نشعر أنه يقود إلى الحقيقة؛ وفي بعض الأحيان، ندفعه ونبعده عن طريقه، لأنه يمنعنا من المضي قدمًا».