الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 12 كانون الثاني 2020: موعظة أحد عماد يسوع

2020-Jan-12 | عظات | 1075

أش 42، 1 – 7                 أع 10، 34 -38                متى 3، 13 – 17

 

«في ذلِكَ الوَقْت ظَهَرَ يسوع وقَد أَتى مِنَ الجَليلِ إِلى الأُردُنّ، قاصِدًا يُوحنَّا لِيَعتَمِدَ عن يَدِه. فجَعلَ يُوحنَّا يُمانِعُه فيَقول: «أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَأَنتَ تَأتي إِليَّ». فأَجابَه يسوع: «دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ». فَتَركَه وما أَراد. واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: «هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت».

الموعظة

       الماء العميقة، غريبة، ليست مياه جريان سطحي لماء الأمطار أو تدفق للنبع. في الكتاب المقدس، هذه المياه ترمز دائماً للهوة البدائية قبل الخلق. إنها رمز العدم. وهذا ما حدث في طوفان نوح، حيث تمت العودة إلى نقطة الصفر من أجل ولادة بشرية جديدة.

 وعندما عبر العبرانيون البحر الأحمر، عبروا من الموت، والعبور من الأردن سيجعل منهم شعب جديد على أرض جديدة. ومعمودية يوحنا مُثقلة بهذه الرموز وما يعرضه النبي هو بالفعل بداية جديدة، ولادة جديدة.

في الواقع، ما يعلنه السابق، يوحنا المعمدان، هو جديد، لا بل جديد كلية. فلكي يتم استقبال هذا الجديد، لا بد من روح عذراء، مفتوحة على المجهول، على ما لم «يره أحد قط ولم تسمع به أذن».

فالمعمودية تغسلنا من كل الماضي. فليكن! ولكن هل هذا الأمر ينطبق على يسوع نفسه؟ هو كلمة كل بداية، ليس له ما يبدأه من جديد، ومع ذلك ها هو يختلط بتلاميذ يوحنا ليعتمد معهم.

 ففي تضامنه معهم يكمن الجواب على هذا السؤال. ما نسميه عادة بالتجسد يكمن في أخذ الوضع البشري كما صنعه، إن صح التعبير، كل من التاريخ ورهان الحريات.

وبالتالي يسوع يتماهى مع الإنسان الخاطئ وسيعرف كل مصيره. وبولس الرسول يذهب بعيداً بطريقة تعبيره عن هذا التماهي. ففي رسالته إلى أهل قورنتس يقول: «ذاكَ الَّذي لم يَعرِفِ الخَطيئَة جَعَله اللهُ خَطيئَةً مِن أَجْلِنا كَيما نَصيرَ فيه بِرَّ الله» (2 قور 5، 21).

غريب هذا البرّ، حيث المذنب مُعتبر على أنه بار، أو عادل، وحتى مُبرَّر، لأن البارّ الحقيقي يأخذ مكان المذنب. وهذا ما يُفاجئ المعمدان ذاته: «أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَأَنتَ تَأتي إِليَّ؟» وليس العكس.

إنه يأخذ موقفاً بخصوص ما هو عدل أو لا عدل. وجواب يسوع مذهل بالحقيقة: «دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ». فالإتمام في العهد الجديد، هو التجاوز من العلى لكل ما يصل إلى نهايته.

 وهذا الأمر لا يتم دون بعض الانقلابات المدهشة أو الدرامية: فالسيد لا يكون سيداً إلاَّ بقدر ما يجعل من نفسه خادماً، وبقدر ما نريد أن نكون الأخيرين، بقدر ما نصبح الأولين، الخ!

في النهاية، كلما قبلنا الموت حباّ، كلما وصلنا إلى الحياة الأبدية، الحياة التي لا يمكن هدمها. كل هذا مُعبّر عنه، أو مُعلن عنه، من خلال رواية المعمودية. ظلماً، لكن حبّاً، ينزل يسوع مع الخاطئين في مياه الأردن، مياه الموت والولادة الجديدة.

لا شك أن الفصح حاضر في كل ذلك، ومستبق رمزياً. ففي الفصح يتم إرضاء عدل الله بظهوره كما هو: ليس عدل تبريري، بل عدل مُبَرَّر. وكما قلت الأحد الماضي، الظهور يعني الكشف.

مع المجوس، أدركنا بأن يسوع هو هنا من أجل خلاص كل الناس، بدون تمييز للعرق أو للثقافة أو للحضارة. في المعمودية، نعلم أنه ابن الله الحبيب وله كل حبه.

والتقليد المسيحي رأى في كل من رواية زيارة المجوس، ورواية المعمودية ورواية عرس قانا الجليل «حيث أظهر مجده فآمن به تلاميذه»، الظهورات الثلاث لهوية ورسالة المسيح، ومقدمات للتجلي. لا ننسى أنه فقط بعد عماده، بعد خروجه من الماء، عندما خرج من الهاوية القاتلة، تم إعلان يسوع ابن لله.

هذا يذكرنا ببداية الرسالة إلى أهل رومة، مقطع غريب بالنسبة للاهوت الكلاسيكي: يقول بولس أنه وُضِع جانباً من أجل إنجيل الله بخصوص ابنه «الَّذي وُلِدَ مِن نَسْلِ داوُدَ بِحَسَبِ الطَّبيعةِ البَشَرِيَّة، وجُعِلَ ابنَ اللهِ في القُدرَةِ، بِحَسَبِ روحِ القَداسة، بِقِيامتِه مِن بَينِ الأَموات» (رو 1، 3).

رواية معمودية يسوع لها طابع ثالوثي واضح فالآب يتكلم فيعلن يسوع ابنه؛ والروح القدس ينزل عليه بشبه حمامة؛ وهنا لا يمكننا إلاَّ أن نفكر بروح الله الذي يرفرف على المياه (تك 1). وفي الحمامة التي أتت إلى نوح لتعلن له انسحاب المياه القاتلة بفعل الرياح العنيفة (تك 8).

SHARE