الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 28 كانون الأول 2025. موعظة عيد العائلة المقدسة

2025-Dec-28 | عظات | 132

يشوع 3، 2 – 14      كول 3، 12 – 21     متى 2، 13 – 23  

«وكان بَعدَ انصِرافِهِم أَنْ تَراءَى مَلاكُ الرَّبِّ لِيوسُفَ في الحُلمِ وقالَ له: قُم فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّه واهرُبْ إِلى مِصْر وأَقِمْ هُناكَ حَتَّى أُعْلِمَك، لأَنَّ هيرودُسَ سَيَبْحَثُ عنِ الطِّفلِ لِيُهلِكَه. فقامَ فأَخَذَ الطِّفْلَ وأُمَّه لَيلاً ولَجَأَ إِلى مِصر. فأَقامَ هُناكَ إِلى وَفاةِ هيرودُس، لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ على لِسانِ النَّبِيّ: مِن مِصرَ دَعَوتُ ابني وما إن تُوُفِّيَ هيرودُس حتَّى تراءَى ملاكُ الرَّبِّ في الحُلمِ لِيُوسُفَ في مِصرَ. وقالَ له: قُمْ فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّه واذهَبْ إِلى أَرضِ إِسرائيل، فقد ماتَ مَن كانَ يُريدُ إِهلاكَ الطِّفْل. فقامَ فأَخذَ الطِّفْلَ وأُمَّه ودَخَلَ أَرضَ إِسرائيل. لَكِنَّه سَمِعَ أَنَّ أَرخِلاَّوُس خلَفَ أَباهُ هيرودُسَ على اليَهودِيَّة، فخافَ أَن يَذهَبَ إِليها. فأُوحِيَ إِليه في الحُلم، فلجَأَ إِلى ناحِيَةِ الجَليل. وجاءَ مَدينةً يُقالُ لها النَّاصِرة فسَكنَ فيها، لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ الأَنبِياء: إِنَّه يُدعى ناصِريّاً»

الموعظة

بعد أيام قليلة من ميلاد يسوع في عيد الميلاد، تدعونا الكنيسة للتأمل في سرٍّ آخر يُظهر الله من خلاله حضوره الدائم ـــــ سرّ العائلة المقدسة. في هذا العام الليتورجي، نعلن إنجيل متى، الذي يكشف لنا عن شخصية يوسف الأبوية، الشخصية المتواضعة والحكيمة في آنٍ واحد، حاضرة في البيت. نقرأ في الرواية مرتين على الأقل أن يوسف، بناءً على نصيحة الملاك، أخذ الطفل وأمه. المهمة الموكلة إليه في العائلة المقدسة هي الحماية والتفاني.

يحمي يوسف عائلته، يحمي الطفل وأمه، ولكنه بذلك يحمي قبل كل شيء خطة الله وعمله. يمكننا أن نكتشف هذا حتى في بداية تكوين العائلة المقدسة. عندما حملت مريم، لم يشأ يوسف، الرجل البار، أن يفضحها علنًا، ولكن بعد أن أنذره ملاك الرب، أخذها زوجةً له (راجع متى 1: 18-19) وأصبح أبًا ليسوع. حمى يوسف عذرية مريم. آمن بعمل الله، وآمن أن «الذي حُبل به في مريم هو من الروح القدس» (متى ١: ٢٠). باختصار، حتى قبل أن يكون يسوع مُخلص العالم، كان يوسف مُخلص المُخلص.

فكيف استطاع يوسف أن يُتمّ هذه الرسالة الأبوية؟ نرى أن الملائكة أنذرته في أحلامه في مناسبات عديدة. لم يُسجّل العهد الجديد أي كلمات نطق بها يوسف، بل أحلامًا فقط. ثمة فرق دقيق بين الحلم ورؤية الحلم. فالحالم لا يتواصل مع الواقع، بينما يبقى عقل الحالم متيقظًا دائمًا، منغمسًا في حوار داخلي. ومن خلال هذا الحوار الداخلي، تلقّى يوسف الإرادة الإلهية وفهمها، أي ما يريده الله لابنه. لم يفرض يوسف أفكاره على ابنه، بل احترم المستقبل الذي خطّطه الله له.

أنصت إلى صوت الله الخفيّ ليتخذ القرارات المصيرية لعائلته. ومريم! قد يتساءل المرء، في خضم كل هذا، أين مريم؟ تبقى مريم وفية، تعيش في أمانة مع زوجها وطفلها، أمانة متبادلة وصادقة. صمتها في قصة اليوم ليس صمتًا مفروضًا عليها، بل هو صمت بنّاء. في هذا الصمت، تستمع هي أيضًا، بطريقتها الخاصة، إلى صوتها الداخلي لتفهم ما يريده الله لطفله. كأي زوجين شابين، كان لدى مريم ويوسف أحلام وآمال لمنزلهما.

وفجأة، انقلبت حياتهما رأسًا على عقب ــ حمل مريم غير المتوقع، والبحث عن مأوى، والولادة في حظيرة، والهروب إلى مصر، والانتظار الطويل قبل عودتهما إلى الجليل، وغير ذلك. ومع ذلك، ورغم كل هذه المحن، ظلا وفيين لبعضهما البعض، وربيا ابن الله، أولًا في أرض غريبة، كلاجئين سياسيين، ثم في الناصرة، وهي بلدة صغيرة غير مألوفة. لا يقدم إنجيل متى صورة مثالية للعائلة المقدسة. بل على العكس، يُرينا متى عائلة تغلبت على لحظة عصيبة في تاريخ البشرية.

ويمكننا أن نجد تداعيات هذه الأوقات العصيبة في واقع عائلاتنا. فالجنون القاتل ليس حكرًا على هيرودس. فعلى مر التاريخ البشري، لدينا أمثلة على العنف والحروب والاستغلال والخيارات السياسية الخاطئة. وللأسف، فإن العائلات هي أول ضحايا هذه الأفعال الأنانية. اليوم، تُشكّل قضايا الأبوة، وانفصال الأزواج، والهجرة، واللاجئين السياسيين، والأطفال النازحين، وغيرها، تحدياتٍ تواجه كنيستنا ومجتمعاتنا.

ومع ذلك، يُقدّم لنا عيد العائلة المقدسة الأمل ـــ أمل الإصغاء، كما فعلت مريم ويوسف، إلى ذلك الصوت الخافت في داخلنا لفهم المستقبل الذي يُهيّئه الله لنا ولأسرنا ولأبنائنا ــ أمل البقاء أوفياء لبعضنا البعض ــ أمل الإيمان بخطة الله وعمله وحمايتهما، وأخيرًا، كما يقول القديس بولس في القراءة الثانية، أمل «أن نلبس الرحمة واللطف والتواضع والوداعة والصبر» (كول 3: 12). آمين.

SHARE