الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 4 تشرين الأول 2020: موعظة الأحد السابع والعشرين من الزمن العادي

2020-Oct-04 | عظات | 745

أش 5، 1- 7      فيل 4، 6- 9    متى 21، 33-43

 

«اسمعوا مَثَلاً آخَر: غَرَسَ رَبُّ بَيتٍ كَرْماً فَسيَّجَه، وحفَرَ فيه مَعصَرَةً وبَنى بُرجاً، وآجَرَه بَعضَ الكرَّامين ثُمَّ سافَر. فلمَّا حانَ وَقتُ الثَّمَر، أَرسَلَ خَدمَه إِلى الكَرَّامينَ، لِيَأخُذوا ثَمَرَه. فأَمسَكَ الكرَّامونَ خَدَمَه فضرَبوا أَحدَهم، وقتَلوا غيرَه ورَجَموا الآخَر. فأَرسَلَ أَيضاً خَدَماً آخَرينَ أَكثرَ عَدداً مِنَ الأَوَّلينَ، ففَعلوا بِهِم مِثلَ ذلِك. فأَرسَلَ إِليهِمِ ابنَه آخِرَ الأَمرِ وقال: سيَهابونَ، ابْني. فلَمَّا رَأَى الكرَّامونَ الابنَ، قالَ بَعضُهم لِبَعض: هُوَذا الوارِث، هَلُمَّ نَقتُلْهُ، ونَأخُذْ مِيراثَه. فأَمسَكوهُ وأَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه. فماذا يَفعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولئِكَ الكَرَّامينَ عِندَ عَودَتِه؟ قالوا له: يُهلِكُ هؤُلاءِ الأَشرارَ شَرَّ هَلاك، ويُؤجِرُ الكَرْمَ كَرَّامينَ آخَرينَ يُؤَدُّونَ إِليهِ الثَّمَرَ في وَقْتِه. قالَ لَهم يسوع: أَما قَرأتُم قَطُّ في الكُتُب: الحَجَرُ الَّذي رذَلَهُ البنَّاؤُونَ هو الَّذي صارَ رَأسَ الزَّاوِيَة. من عِندِ الرَّبِّ كانَ ذلك وهو عَجَبٌ في أَعيُنِنا. لِذلكَ أَقولُ لَكم: إِنَّ مَلكوتَ اللهِ سَيُنزَعُ مِنْكُم، ويُعطى لأُمَّةٍ تُثمِرُ ثَمرَه».

الموعظة

       إذا قارنا نص إنجيل اليوم مع نص أشعيا النبي نلاحظ بأن يسوع يكرر إلى حد ما حرفياً نص أشعيا. في كلا النصين لدينا رجل لديه كرم يعتني به جيداً وبحب كبير. فما هو الموضوع؟ من يمثل ربّ الكرم ومن يمثل الكرم؟

دون شك ربّ الكرم هو الله نفسه، هو الذي يملك الكرم، لا بل هو من أوجده وهو من يعطيه إمكانية حمل الثمار. أمّا الكرم فهو يمثل أكثر من أمر: في القراءة الأولى يمثل «بيت إسرائيل»، الشعب الذي أسسه الله، رافقه واعتنى به على مسار تاريخه.

هذا الشعب الذي أخرجه الله من العبودية، انحرف عن الطريق، شذّ مع الزمن. والنبي يتنبأ بخرابه. هذا المخطط إن صح التعبير، هو مخطط شامل وينطبق على كل انحطاط.

بنظر الجميع، شعب العهد القديم جسّد في تاريخه هذه الدراما التي يصفها لنا مثل اليوم والتي تعيشها كل المجتمعات التي تخنق كل «حق وعدل» «لقد انتظر الحقَّ فإذا سفكُ الدماء وانتظر البرَّ فإذا الصراخ»، هذا ما سمعناه من نص أشعيا.

هناك نصوص أُخرى تحدثنا عن ترميم شعب العهد القديم؛ فعلى المدى البعيد لا يمكننا الاستمرار دون ثمر إن أردنا أن نغذي من يرهقهم الجوع وتسحقهم عدم العدالة. إذا تابعنا قراءة نص أشعيا فنرى أنه يترجم عدم العدالة بالسعي وراء الغنى والإرادة في التسلط.

إنجيل اليوم يريد أن يُلخّص تاريخ شعب الله لكن، بعد الإخراج الشبيه بنص أشعيا، يتغير المشهد ويختلف. الشخصيات الغائبة لدى أشعيا هي الكرامون. في رواية الخلق الأولى يخلق الله الإنسان ويسلمه العالم ثم ينسحب.

غياب الله يترك كامل المسؤولية للإنسان ليتسلط على الكون، لينميه ويتحكم بكل ما يسبب أذى لهذا العالم وأخيراً ليجعله يحمل ثماراً. من هنا يحقق الإنسان ذاته، بحريته، على صورة الله كمثاله وهو بدوره يسير باتجاه اليوم السابع، يوم راحته.

إذا غاب الله، وهذا ما نلمسه كل يوم، فلأنه من الآن فصاعداً هو حاضر من خلال الإنسان وفي الإنسان. ولكن هنا يُطرح سؤال مهم: هل يمكننا مقارنة الله بمالك يوظّف أناساً لديه ثم يحاسبهم على الثمار التي أتوا بها أو لم يحققوها؟

 في نص الإنجيل لا وجود لأجر ماديّ وبالتالي لا يمكننا قراءة هذا المثل على ضوء ربّ عمل وموظفين. هنا كل الثمر يعود للمالك! أنانية إلهية؟ ماذا يطلب منّا الله؟ شيء واحد فقط الاعتراف بكل معنى الكلمة، أي الدخول في عالم التعادل والتبادل، في العطاء المتبادل.

لا يمكننا أن ننغلق عن العالم الذي أُعطي لنا؛ فانطلاقاً منه علينا الصعود باتجاه الأصل: الله. فنحن مدعوين إذن لبناء علاقة حقيقية مع الله، لأنه على عكس نص أشعيا، الكرم في الإنجيل يعطي ثماراً.

يبقى علينا ألا نتملكه ولا نغلقه عن العالم، أو نغلقه على ذاته. في الواقع هوس التملك يقود مباشرة إلى عكس العلاقة الحقيقية، أي إلى العنف. من هنا تأتي أهمية سرد أنواع العنف التي مارسها الكرّامون ضد الذين أرسلهم ربّ الكرم.

هذا يذكرنا بالطبع بأن تاريخ البشرية، بحسب الكتاب المقدس، يبدأ بالقتل: قاين وهابيل. هذا الأمر يعود للمنافسة السيئة طبعاً، منافسة نلتقي بها في كل مكان: في المكاتب والوظائف، بين الأخويات وداخلها، بين أصحاب السلطات، بين السياسيين الخ.

لهذا السبب عداوة الأخوة تملأ التاريخ الكتابي: يعقوب وعيسو، داود وشاول، إسرائيل ويهوذا..... اليهود والوثنيين. فلكي نسمع بولس يقول لا يهودي ولا يوناني علينا أن ننتظر قتل الابن.

فالأخوة الأعداء يتفقون أولاً على قتل الابن، ثم ينظرون إلى من طعنوا. إنه الحجر الذي رذله البناؤون وأصبح حجر الزاوية، حجر زاوية البيت الجديد، الشعب الجديد.

الخطأ الكبير هو الاعتقاد بأن هذا الموضوع هو من الماضي، بينما هو موضوع كل يوم وكل ساعة وكل الشعوب. رفض الابن يتكرر دائماً في تاريخ الكل وكل واحد منّا. لدينا طرق لا حدود لها لقتل ابن الله فينا: التكبر، النميمة، الخبث الخ. لكن الكلمة الأخيرة فينا وفي العالم تعود له هو الكلمة الأولى.

      

 

      

SHARE