الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 17 كانون الثاني 2021: موعظة الأحد الثاني من الزمن العادي

2021-Jan-17 | عظات | 658

1 صم 3، 3 – 10. 19   1 قور 6، 13 – 20   يو 1، 35 – 42 

 

وكانَ يوحَنَّا في الغَدِ أَيضاً قائِماً هُناكَ، ومَعَه اثْنانِ مِن تَلاميذِه. فحَدَّقَ إِلى يِسوعَ وهو سائرٌ وقال: «هُوَذا حَمَلُ الله!». فسَمِعَ التِّلْميذانِ كَلامَه فتَبِعا يسوع. فَالتَفَتَ يسوعُ فرآهُما يَتبَعانِه فقالَ لَهما: «ماذا تُريدان؟» «قالا له: راِّبي (أَي يا مُعلِّم) أَينَ تُقيم؟» فقالَ لَهما: «هَلُمَّا فَانظُرا!» فَذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم، وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر. وكانَ أَندرَاوُس أَخو سِمْعانَ بُطُرس أَحَدَ اللَّذينِ. سَمِعا كَلامَ يوحَنَّا فَتبِعا يسوع. ولَقِيَ أَوَّلاً أَخاهُ سِمْعان فقالَ له: «وَجَدْنا المَشيح» ومَعناهُ المسيح. وجاءَ بِه إِلى يَسوعَ فحَدَّقَ إِلَيه يسوعُ وقال: "أَنتَ سِمْعانُ بنُ يونا، وسَتُدعَى كِيفا"، أَي صَخراً.

 

الموعظة

 

       نصوص زمن المجيء وأثناء فترة الميلاد تعرض علينا مختلف طرق تواصل الله مع البشرية. بينما في الزمن العادي تعرض علينا العملية المعاكسة: كيف يذهب الإنسان للقاء الله. عبارة الكاهن عالي لصموئيل معروفة حيث يطلب منه عندما يناديه الله أن يقول له: «تكلم يا رب فإن عبدك يسمع».

لدينا هنا ملخص حقيقي ومركّز لمجمل العهد القديم، حيث يتم التحدث مباشرة عن العلاقة التي توحد الإنسان بالله، علاقة يُعتبر فيها الإنسان على أنه عبد أو خادم الله بالمعنى القوي للكلمة. فالخادم هو من يخضع لإرادة الله ويعمل لخدمته والعلاقة تعبر من خلال الكلمة.

أمّا نحن أبناء العهد الجديد، فنحن نؤمن بالله الذي يتكلم، وليس من النادر أن يُقال بأن الإنسان يصغي لهذه الكلمة، إنما في أغلب الأحيان لا يصغي إليها. فالإصغاء لكلمة الله يعني أن نكون مستعدين لما هو غير منتظر من إرادة الله. كما أن الإصغاء يكون أكثر بالقلب منه من الأذن كما يقول الملك سليمان الذي يطلب من الله «أعطني، يا ربّ قلباً يصغي» (1 مل 3، 9).

       وكتاب الملك الصغير المعروف جداً يقول: «لا نرى جيداً إلاَّ بالقلب، فالجوهر غير مرئي للعيون». يمكننا أن نسقط هذه العبارة ونقول إنه في الكتاب المقدس: «لا نسمع إلاَّ بالقلب والجوهر لا يمكن سماعه بالآذان». هذا يفترض أن نقبل بأن تضعنا كلمة الله موضع تساؤل، أن نقبل بأن تُزعجنا وفي العمق؛ فكلمة الله مزعجة لأنها تتطلب منا أن نغير مركز حياتنا ومفاهيمنا.

       ولكن المشكلة أننا نملك إمكانيات فلترة وتنقية هائلة. بطريقة عفوية لا ندركها نقوم بعملية تنقية لكلام الله: نسمع ونحتفظ بما يناسبنا منها ويذهب بنفس الاتجاه الذي نختاره ونقصي كلمات المسيح التي لا تناسبنا، التي تزعجنا. لا نضعها حتى موضع تساؤل، ولا ننكرها، إنما نضعها على «الرف، أو على السقيفة» إن صح التعبير.

هذا هو موقف الفريسيين الذين يحاولون أن يُبطلوا كلمة المسيح أو أن يجعلوها عقيمة لأنها، تضع موضع تساؤل طريقة تفكيرهم وتقاليدهم خصوصاً أنه يجيبهم من الكتاب المقدس نفسه. فبدلاً من أن يستقبلوا الكلمة التي تدينهم يدينون هذه الكلمة. فالإصغاء للكلمة يعني أن نصمت أمام الله.

كم من المرّات عندما نصغي لصفحة من الكتاب المقدس نفكر بأنها تناسب هذا أو ذاك الشخص وننسى بأن الكلمة التي سمعناها تتوجه قبل كل شيء لنا نحن. عندما نستقبل الكلمة يصبح عملنا فعّال كما هي الحال لدى صموئيل في نص اليوم: «كبر صموئيل، وكان الرب معه، ولم يدع شيئا من كل كلامه يسقط على الأرض».

       كل اكتشاف للمسيح هو اكتشاف فردي ومأخوذ ضمن مسيرة شخصية. مع الإنجيلي يوحنا، اكتشاف يسوع يعبّر عن ذاته من خلال مواقف تُظهر تقدماً خطوة بخطوة. الفصل الأول من إنجيل يوحنا يقدم لنا أشخاصاً مختلفين يتقدمون للمسيح مع فردية تاريخهم الشخصي.

والملفت للانتباه في نص اليوم هو أن اكتشاف المسيح يتم من خلال شبكة من العلاقات: أحدهم يكتشف ناحية معينة من المسيح وينقلها للآخر. يوحنا المعمدان يكشف للتلميذين بأن يسوع هو «حامل خطايا العالم»، حمل الفصح الذي سيذبح، الحمل المنتصر في سفر الرؤيا (7، 14).

فعلى كلمة يوحنا يترك التلميذين معلمهم ليتبعوا يسوع؛ فجأة يلتفت إلى الوراء ويقول لهم: «ما ذا تريدان؟» وليس «من تريدان؟» لكيلا يجعل من نفسه محور كل شيء ويكون لا مبالياً برغبتهم وبحثهم الحقيقيين.

يسوع يهتم بهم وبما يبحثون عنه: ما هي رغباتكم، وما الذي تبحثون عنه بالفعل في حياتكم؟ بالواقع عندما نبحث عن المسيح، لا ندري بالفعل عمّا نبحث ويسوع يساعدنا لتوضيح دوافعنا ومعنى وجودنا. والتلميذين يجيبان على سؤال يسوع: «يا معلّم أين تقيم؟» لم يطلبوا شيء، بل شخص يسوع. ويسوع فهم تماماً سؤالهم ويجيب بدوره: «تعالا وانظرا». يدعوهم ليقيموا معه لكي يعرفوه، كما يقيم هو في الآب ويعرفه.

       فلا مجال لاكتشاف ومعرفة المسيح بدون علاقة حميمة معه، بدون شيء من الاستمرارية. لذلك أصغوا إليه في ذلك اليوم وقاموا باكتشاف هائل يتجاوز كثيراً عمّا سمعوه من معلمهم. ولكن معرفة المسيح لا تشكل هدفاً بحد ذاته، نهاية نتجه إليها، إنها تضعنا في مسيرة باتجاه الآخرين وباتجاه أنفسنا.

يلتقي التلميذين صدفة بسمعان، أخو أندراوس ويشركوه باكتشافهم: «لقد وجدنا المسيح»؛ فينضم سمعان إليهم ويعودوا مجدداً للمسيح. لكنّ النص لا يقول لنا ماذا اكتشف سمعان من المسيح، إنما كيف حولّ المسيح سمعان بإعطائه اسما جديداً: «أنت سمعان بن يونا، وستُدعى كيفا، أي صخراً».

فأن يُعطى لنا اسماً جديداً من الله أو من المسيح هذا يعني تغيير في الهوية في الكتاب المقدس لقب «صخر» هو أحد أسماء الله، ثم المسيح وأخيراً بطرس. مع هذا الاسم يعبر شيء من الله ومن المسيح في التلميذ المدعو ليكون أساساً للتلاميذ الآخرين.

       مع سفر صموئيل نحن مدعوين لسماع كلمة الله لنكتشف إرادته علينا، مع إنجيل يوحنا مدعوين بأن نجيب على دعوة أشخاص آخرين اكتشفوه وأن نتبعه ونقيم بالقرب منه لكي نكتشف بدورنا شيء من شخصه لا يمكن لآخر أن يكتشفه مكاننا، ثم نعلنه لآخرين لكي يقتربوا منه ويكتشفوا شيئاً منه لم نكتشفه نحن. بدخولنا في هذه المسيرة التناوبية لا نعرف المسيح فقط، بل يحولّنا المسيح ويحوّل نظرنا وكياننا بمجمله.

 

SHARE