الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 5 كانون الثاني 2025. موعظة عيد الظهور الإلهي

2025-Jan-05 | عظات | 290

أش 60، 1- 6       أف 3، 2- 6      متى 2، 1- 12 

 

«ولمَّا وُلِدَ يسوعُ في بَيتَ لَحمِ اليهودِيَّة، في أيَّامِ المَلِكِ هيرودُس، إِذا مَجوسٌ قدِمُوا أُورَشليمَ مِنَ المَشرِقِ .وقالوا: أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه. فلمَّا بلَغَ الخَبَرُ المَلِكَ هيرودُس، اِضْطَرَبَ واضطَرَبَت مَعه أُورَشليمُ كُلُّها. فَجَمَعَ عُظَماءَ الكَهَنَةِ وكَتَبَةَ الشَّعْبِ كُلَّهم واستَخْبَرهم أَين يُولَدُ المسيح. فقالوا له: في بَيتَ لَحمِ اليَهودِيَّة، فقَد أُوحِيَ إِلى النَّبِيِّ فكَتب:  وأَنتِ يا بَيتَ لَحمُ، أَرضَ يَهوذا لَسْتِ أَصغَرَ وِلاياتِ يَهوذا فَمِنكِ يَخرُجُ الوالي الَّذي يَرْعى شَعْبي إِسرائيل . فدَعا هيرودُسُ الَمجوسَ سِرّاً وتَحقَّقَ مِنْهم في أَيِّ وَقْتٍ ظهَرَ النَّجْم. ثُمَّ أَرْسَلَهم إِلى بَيتَ لَحمَ وقال: اِذْهَبوا فابحَثوا عنِ الطِّفْلِ بَحْثاً دَقيقاً، فإِذا وَجَدْتُموه فأَخبِروني لأذهَبَ أَنا أَيضاً وأَسجُدَ له. فلمَّا سَمِعوا كَلامَ الَمِلكِ ذَهَبوا. وإِذا الَّنجْمُ الَّذي رأَوهُ في المَشرِقِ يَتَقَدَّمُهم حتَّى بَلَغَ المَكانَ الَّذي فيه الطِّفلُ فوَقفَ فَوقَه. فلمَّا أَبصَروا النَّجْمَ فَرِحوا فَرحاً عَظيماً جِدّاً. وَدخَلوا الَبيتَ فرأَوا الطِّفلَ مع أُمِّه مَريم. فجَثَوا له ساجِدين، ثُمَّ فتَحوا حَقائِبَهم وأَهْدَوا إِليه ذَهباً وبَخوراً ومُرّاً. ثُمَّ أُوحِيَ إِليهِم في الحُلمِ أَلاَّ يَرجِعوا إِلى هيرودُس، فانصَرَفوا في طَريقٍ آخَرَ إِلى بِلادِهم.»

الموعظة

إذا فكرنا بالتطور التاريخي لموضوع زيارة المجوس نستخلص ببساطة بأن المجوس كان لهم من الشهرة والنجاح ما يكفي!! «أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه». هناك الكثير من التقاليد بُنيت على هذه الرواية التي لم ينقلها لنا سوى الإنجيلي متى. الملفت للنظر هو التطور والإضافات التي أُعطيت لهذه الرواية: بداية هؤلاء المجوس، مختصين في علم الفلك على ما يبدو، لقبّوا لاحقاً بالملوك. كما أنه باكراً تم تطبيق آيتين في المزمور 71 على هؤلاء المجوس: «مُلوكُ تَرْشيشَ والجُزُرِ الجِزيَةَ يؤدُّون ومُلوكُ شَبَأَ وسبَأَ الهَدايا يقَدِّمون. جَميعُ المُلوكِ لَه يَسجُدون كلّ الأمَمِ لَه يَخدُمون».

في القرن الخامس يتم تحديد عدد المجوس بثلاث بما أن متى يحدد بأنهم قدّموا ليسوع ثلاثة هدايا: ذهباً وبخوراً ومرّاً. وشيئاً فشيئاً أُعطيت لهم أسماء فارسية بالطبع. وهناك تقليد يقول بأن أحدهم أبيض والآخر أسود والثالث أصفر ممّا يرمز إلى البشرية جمعاء. تقليد آخر يقول بأن أحدهم شاب صغير والثاني متوسط العمر والثالث شيخ كبير. كما أنه يروى أيضاً بأنه تم نقل أجسادهم من فلسطين إلى القسطنطينية ثم إلى ميلانو في إيطاليا. أخيراً وليس آخراً، يمكننا أن نكرمهم ونزور مقامهم كقديسين في قلب كاتدرائية مدينة كولونيا في ألمانيا.

هذا يجعلنا نتساءل فيما إذا لم يكن هؤلاء المجوس قد ذهبوا ضحية هذا النجاح، لدرجة أننا فقدنا السبب العميق لذكرهم في إنجيل متى، وبالتالي مكانتهم في إيماننا المسيحي. فماذا يمكننا أن نقول عن هذه الرواية بخصوص إيماننا المسيحي؟ أولاً هذه النجمة الغريبة، التي تظهر وتختفي، تتوقف وتنطلق مجدداً، لم تقد مباشرة إلى يسوع، بل إولاء إلى هيرودس! ثم إلى عظماء الكهنة وكتبة الشعب. هذا يعني أن المجوس، لولا عظماء الكهنة والكتبة لما استطاعوا الوصول إلى يسوع. هذا يعني أيضاً أن هذا النص هو بمثابة تعليم مسيحي، شرح للكتب المقدسة على شكل مثل.

يقول لنا بأن الطريق المؤدي إلى الحقيقة هو بالضرورة طويل، وأن نور القلب ونور الكتاب المقدس يتجهون بنفس الاتجاه، ولكن كل واحد بحاجة للآخر؛ وأن الغرباء الآتون من بعيد، قد يكونوا أكثر جاهزية للقاء الله، الله المخفي والهش، من كثير من المختصين الذين يعيشون على بابه. كما يقول لنا بأنه إن كان الخلاص يأتي من اليهود، كما يقول لنا الإنجيل، يبقى مفتوحاً لجميع الشعوب وغير محصور بفئة معينة.

ويسوع يقول للمرأة السامرية: «أَنتُم تَعبُدونَ ما لا تَعلَمون ونَحنُ نَعبُدُ ما نَعلَم لِأَنَّ الخَلاصَ يَأتي مِنَ اليَهود ولكِن تَأتي ساعةٌ - وقد حَضَرتِ الآن - فيها العِبادُ الصادِقون يَعبُدونَ الآبَ بِالرُّوحِ والحَقّ فمِثْلَ أُولِئكَ العِبادِ يُريدُ الآب» (يو 4، 22-23). يبقى السؤال: لماذا النجمة؟ على ما أعتقد لأن أول نبي في العهد القديم تحدث عن النجمة، كان نبياً وثنياً، النبي بلعام، ابن بعور (عدد 22- 24)، إنسان غريب جداً أيضاً. لقد أتى أيضاً من جبال المشرق، هو أيضاً سار طويلاً، كما أنه سجد أمام رسول الربّ.

وكان يبحث عن النور في الصلاة قائلاً: «فلَعَلَّ الرَّبَّ يُوافيني، ومَهْما يُرِني أخبِرْكَ بِه». أخيراً رأى نجماً ومخلصاً في الأفق «أَراه وليسَ في الحاضِر أُبصِرُه وليس مِن قَريب. يَخرُجُ كَوكَبٌ مِن يَعْقوب ويَقومُ صَولَجانٌ مِن إِسْرائيل فيُحَطمُ صُدغَي موآب وجُمجُمةَ جَميعِ بَني شِيت». وكالمجوس عاد النبي بلعام إلى وطنه. النور الحقيقي هو نور الله، كما أن النجمة الحقيقة هي نجمة المسيج، نور من نور: «أَنا يَسوعَ أَرسَلتُ مَلاكي لِيشهَدَ لَكم بِهذِه الأَشياءِ في شَأنِ الكَنائِس. أَنا فَرعٌ مِن داوُدَ وذُرِّيَّتُه والكَوكَبُ الزَّاهِرُ في الصَّباح» (رؤ 22، 16).

هنا نحن على نقيض علم الفلك! هناك الكثير من الباحثين عن النجوم. ولكن هل يجدون دائماً الحكماء القادرون على الإجابة، أو الحكماء الذين يمارسون ما يقولون؟ هيرودس يقول شيئاً، لكنه يفكر عكس ما يقول. الكتبة يقولون الحقيقة ولكن ما الذي تغيّر؟ إنهم يعرفون الكتب المقدسة، لكن ما الفائدة من معرفتهم لها؟ المهم أن لا يقول المسيح عنّا ما يقوله بخصوصهم: «فَافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه. ولكِن أَفعالَهم لا تَفعَلوا، لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون» (متى 23، 3). المفكر الفرنسي شار بيغي: كتب: «عندما نشعر نداء الروح في حياتنا، هل نشهد بقوة وحماس المجوس فنبدأ المسير ونخرج من روتين حياتنا لنواجه المجهول؟».

لا شك بأن الآخرون ينتظرون منّا، نحن المسيحيّون، كلمة مستقيمة، حقيقية، كلمة تنسجم مع أعمالنا وتصرفاتنا. أحياناً قد نتألم عندما نلاحظ بأن العلامة التي أعطاها الله لكي يراها الآخرون، الكنيسة، غير معترف عليها في الواقع، لا بل مشوهة، كالزجاج الوسخ الذي لم يعد يعكس النور المسلط عليه. يسوع هو نجمة الصباح، نور الأمم؛ ويطلب منا أن نكون بدورنا نوراً، نوراً يعكس نوره هو «أنتم نور العالم... هكذا فليضيء نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات» (متى 5، 14- 16). فليجعل الله منّا نوراً ساطعاً.

 

SHARE