الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 1 نيسان 2026. موعظة الأحد الثامي من زمن الصوم

2026-Mar-01 | عظات | 46

تك 12، 1 – 4          2 طيم 1، 8 – 10      متى 17، 1 – 9

 

فأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم، يخاطبانه. فأجاب بطرس، وقال ليسوع: "يا رب، إنه لحسن أن نكون ههنا؛ إن تشأ أصنع ههنا ثلاث مظال: لك واحدة، ولموسى واحدة، ولإيليا واحدة". وفيما هو يتكلم إذا غمامة نيرة قد ظللتهم، وإذا صوت من الغمامة يقول: "هذا هو ابني الحبيب، الذي به سررت؛ فاسمعوا له".  فلما سمع التلاميذ سقطوا على أوجههم، وخافوا جدا وتقدم يسوع ولمسهم، قائلا: "انهضوا، ولا تخافوا". فرفعوا أعينهم فلم يبصروا إلا يسوع وحدهوفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع، قائلا: "لا تخبروا أحدا بالرؤيا حتى يقوم ابن البشر من بين الأموات»

الموعظة

من الواضح أن هذه الحادثة الاستثنائية للتجلي تدعونا إلى التأمل، من خلال تواضع الإنسان يسوع، مجد الله. ولكن من ناحية أخرى، الله، مثل الإنسان يسوع، هو فقير، وتابع، ومتواضع، وحساس، وضعيف. لذلك، علينا أن نضع المشهد في سياقه لكي ندخل في عمق النص. كل شيء يتمحور حول الآلام القريبة. قبل التجلي بأيام قليلة، أعلن يسوع لأول مرة بعبارات واضحة جدًا أن عليه أن يتألم ويموت:

«يَجِبُ على ٱبنِ الإِنسانِ أَن يُعانِيَ آلامًا شَديدة، وأَن يَرذُلَه الشُّيوخُ وعُظَماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَة، وأَن يُقتَلَ ويقومَ في اليَومِ الثَّالِث». وهذا الأمر شكل صدمة وفضيحة لبطرس «فانفرد بِه بُطرُس وجَعَلَ يُعاتِبُه فيَقول: «حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هٰذا!». فلتفت وقالَ لِبُطرس: «انسحب! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لِأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر». ويضيف يسوع «مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِهِ ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني». لا يمكن لأحد أن يكون تلميذا ليسوع إلا إذا «كفر» بنفسه وحمل صليبه.

خلال التجلي، يذكر الإنجيلي لوقا أن موسى وإيليا تحدثا عن اقتراب رحيل يسوع إلى أورشليم. فالموضوع هو، إذن، بكل بساطة موضوع الآلام. ومع ذلك، فإن كل تفاصيل الرواية تستدعي ظهورات الله في العهد القديم. يتم التجلي على جبل عالي مثل جبل سيناء وجبل حوريب. إنسان سيناء حاضر هنا، إنه موسى. وهناك أيضا إنسان حوريب، إنه إيليا. ثياب يسوع ناصعة البياض. وجهه يضيء كالشمس. وصوت يتكلم من داخل السحابة. هذه السحابة هي سحابة الخروج التي أرشدت العبرانيين في الصحراء.

كل شيء يقول لنا: إنه الله. مما يعني إن الله هو الذي سيتألم ويموت. في سياق الآلام، شهود المجد على الجبل سيكونون غدًا شهود الضعف في بستان الزيتون. من يشرق وجهه كالشمس سيكون إنسان فقير يتعرق دما. بين هذا المجد وهذا الضعف، لا معارضة، بل وحدة لا تنكسر. لأن مجد الله يكمن في ضعفه وأفضل مثل لهذا الأمر هو الصليب. رؤية يسوع كانت رائعة ــــ ثيابه ناصعة البياض ووجهه يضيء كالشمس ــــ لدرجة أن بطرس اقترح إطالة أمدها وحتى جعلها أبدية. لقد حلم بصوت عالٍ أن السعادة ستكون في الاستقرار في هذه اللحظة التي أصبحت أبدية، من أجل امتلاك الله وجهاً لوجه وإلى الأبد.

ولكن حتى قبل أن ينهي كلامه، لفَّهم جميعاً الضباب، بينما أتى صوت من السماء يقول: «هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت، فله اسمعوا». بهذه الطريقة قطع الله الطريق أمام أي مشروع إقامة في المكان. لا استقرار، بل استمرار! والعودة إلى السهل. في السهل، حيث يعيش الناس، هناك شيء واحد فقط مهم: الإصغاء إلى يسوع لنفعل ما يقول «هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت، فله اسمعوا!». لا انبهار وعدم القيام بأي شيء، إنما الإصغاء والفعل، والإصغاء يعني أيضًا الطاعة.

هناك أشخاص يقولون لنا بأنهم اختبروا حضور الله بحياتهم ويريدون أن تكون هذه الخبرة أبدية على مثال بطرس. ويستغربون وجود أُناس لا يؤمنون بالله. وفجأة يأتي الضباب. ينزلون إلى أرض الواقع حيث يعيش الناس مع عائلاتهم ووظائفهم وعلاقاتهم وأمراضهم وخيباتهم وإخفاقاتهم، الخ. فيأتي الشك: «هل ما اختبرناه صحيح حقًا؟ ويمتد هذا الشك ليمس هوية يسوع والكنيسة وأهمية الصلاة. ويتساءلون: ألا يمكننا، خارجاً عن الله، أن نحارب الظلم والأكاذيب من أجل بناء عالم أكثر ملاءمة للعيش وأكثر أخوة؟».

هنا يُطرح سؤال الإيمان. الإيمان ليس موضوع امتلاك. لا يوجد شيء في العالم يتعارض مع الملكية أكثر من الإيمان. إنه في جوهره نزع الملكية والفقر. فالغني، بالمعنى الروحي وليس الاقتصادي المباشر للكلمة، لا يصغي أو، وهو يعود للأمر نفسه، يصغي فقط لنفسه. والآخر غير موجود بالنسبة له، لأن تعريف الغنى بحد ذاته، هو عدم القدرة على التعرف على الآخر والانفتاح عليه واستقباله. الإنجيل، بهذا الخصوص، متناقض ومنير في نفس الوقت.

الى كل الذين يأتون إليه، يسوع يطلب الإيمان. نشعر أنه يتمسك به أكثر من أي شيء آخر، وكأن بالإيمان كل شيء ممكنًا، وبدون الإيمان لا شيء. بالمقابل، يبدو أن الإيمان، في محيط يسوع، نادر للغاية وفي نفس الوقت، شائع جدًا. نادر للغاية: ممَّا يجعل يسوع يتوجه للفريسيين بنبرة صارمة وحزينة: «جيل فاسد كافر!» وإلى الرسل: «يا قليلي الإيمان!». ومع ذلك، فهو شائع جدًا: إنه يظهر أينما ذهب يسوع؛ وهو نفسه يعلن للوثنيين، وللسامريين، وللعاهرات، وللعشارين، أن إيمانهم كبير.

فعدم الإيمان هو من جهة محترفي الإيمان، أصحاب الإيمان. المسيح لا يحكم كما نحكم نحن. فالإيمان الحقيقي هو استجابة لمبادرة الله. الإيمان هو تجربة تكتشف الحقيقة بفعل العمل الشاق والملتمس لطريقه.

SHARE