كيف نعيش الموت وما هي أسباب صعوبة قبوله
كيف نعيش الموت وكيف نتعامل معه؟
مساء الخير جميعاً أهلا وسهلا فيكم بهذا اللقاء، لقاءات يوم الخميس. موضوعنا اليوم يمكن مزعج لكن بنفس الوقت حياتي اللي هو موضوع الموت. عنوان اللقاء كيف نعيش الموت وكيف نتعامل مع الموت؟
1 لا شك، أننا منذ أكثر من عشر سنوات ونحن نواجه بشكل فاضح سؤال الموت. إمَّا مواجهة مباشرة من خلال فقدان إنسان عزيز، وإمّا من خلال توقع حدوثه بسبب ما عشناه في هذه السنين. ولكن اليوم، مع وباء الكورونا أصبح الموت على «أبوابنا» جميعنا، إن صح التعبير. مقابل هذا الواقع فضلت التحدث عن هذا الموضوع، خصوصاً أن موضوع الزواج سبق وتحدثت عنه حتى ولو لم أفيه بالكفاية. عنوان لقائنا إذن: «كيف نعيش الموت وما هي أسباب صعوبة قبوله». الحقيقة، هذا العنوان مزدوج: كيف نعيش الموت في الواقع، وكيف يجب علينا أن نعيشه! سأحاول الإجابة على هذين الشقيّن.
2 لكن قبل الإجابة على السؤال، لا بد من التوقف على أمر مهم موجود في أعماقنا جميعاً دون أن ندركه، ألا وهو قلق الموت. بداية أقول، أنه منذ ولادته، يبدأ الإنسان النضال ضد الموت من خلال الصاع بين نزوات الحياة ونزوات الموت، سواء من خلال الزواج والإنجاب، الخ. ماذا يعلمنا قلق الموت في التحليل النفسي؟ لأننا لا نعلم شيئاً عن الموت فهو يقلقنا. كيف يمكن تصور عدم معرفة أي شيء عنه، وعدم تجربة أي شيء حياله والتقدم منه، الذي لا مفر منه، كل يوم. ما الذي يمكنه أن يقلقنا أكثر من المعرفة بأن الفصل النهائي ينتظرنا، فصل أو قطع مع الحياة، مع الآخرين ومع الذات، والوعي بوجودنا في العالم.
3 قلق الموت يبدأ بالولادة: لو كان الجنين قادر على الكلام لقال لنا حتماً أن اختبر الموت بخروجه من جنة الرحم، والقيامة بدخوله عالم يرى أنه لا يزال قيد الحياة. قلق الموت مرتبط بخوف الرضيع من التلاشي أمام الأخطار الخارجية. ميلاني كلاين ـــــ محللة نفسية، نمساوية ــ بريطانية ــــ مهمة لها كتابات عديدة وعملت كثيراً مع الأطفال ــــ تعتبر القلق على أنه ولادي، أصلي. وفرنسواز دولتو ــــ محللة نفسية أيضاً مهمة، فرنسية، اخصائية أطفال ولها كتابات عديدة تقول: «خبرة الولادة هي أول خبرة لظهور الموت». انتهى الاستشهاد. إذن مجيئنا إلى العالم يضعنا بين الذين سيموتون «اللي خلق علق».
4 مجيئنا إلى العالم يحتوي على خسارة: خسارة المشيمة يعيشها الحنين كخسارة جزء منه. فكرة الخسارة مهمة، لأنها هي التي تنعش على مسار حياتنا قلق الموت بنظر التحليل النفسي. يمكننا القول بأن ظهور الحياة الجنسية وبالنتيجة الوصول إلى سن البلوغ، هي التي تجلب التصورات النفسية القاتلة لقلق الموت. يتطلب فقدان الطفولة للوصول إلى مرحلة البلوغ اكتساب القيم المرتبطة بالحياة والموت. لذلك، فكرة الموت ضرورية للتخلي عن الطفولة ــــ فالطفل يعتقد ذاته خالد. بالمقابل، ازدواجية الحياة ـــ الموت هي أساس حياة البلوغ. نرى مثلاً لدى بعض المراهقين انجذاب أو نفور لأحداث مريعة (الجنازات، المقابر، الخ) بسبب رمزية هذه الأحداث ومشاركتها في التطور النفسي.
5 لا ننسى، أن يكون الإنسان بالغ، هذا يعني «عليه أن يموت» يوماً. قلق الموت في التحليل النفسي، ينتج إذن من المواجهة مع فكرتين: الإرادة في الحياة وواجب الموت. إنه تطور طبيعي وعادي للحالة النفسية. غالباً، موت الآخرين هو الذي يجعلنا نعي حالتنا المائتة، يجعلني أقول: أنا أيضاً، سأموت. ملاحظة خاصة بالإنسان ومستحيلة على الحيوان الذي يعيش بجهل المصير الذي ينتظره. أن تكون إنسان هذا يعني أن تخاف من الموت وأن تُنشئ طقوسًا تطبع عبورك. كما نعلم المختصين في مرحلة ما قبل التاريخ يتحدثون عن الأنسنة انطلاقاً من الزمن حيث بدأ الإنسان يدفن موتاه.
6 والأديان باختلافاتها تعد بالقيامة والجنة. على الأرجح ليحاولوا أن يعطوا معنى للحياة وصور للموت، عالم غير مرئي ولا يمكن تصوره بامتياز. ليس من الصدفة أن أغلبية الأدب الفلسفي يهدف لمساعدتنا على تفكير الموت. أو لنكرانه بشكل أفضل. من غير المفيد التفكير به يقول الفيلسوف (Epicure): «طالما نحن هنا فالموت غير موجود، وعندما يكون، نحن لم نعد موجودين»، أو ليقنعونا بقبوله بصفاء. بنظر فرويد، مؤسس التحليل النفسي، نزوة الموت هي نزوة تهدف لإلغاء التوتر، ولحالة من عدم الوجود التي قد تكون أحد أهداف كل كائن الحي. فالنوم يتناسب مع نزوة الموت. وهناك نزوات الحياة، التي تديرنا بشكل يومي والتي بشكل عام تتغلب أو تتفوق على نزوة الموت.
7 النوم يجيب على نزوة الموت ــــ خمول لاواعي حيث لا نتحكم بشيء بدأً بأحلامنا ـــــ. الإنسان الأرق يمنع ذاته من الإجابة على نزوة الموت: كلما قل نومه، أقنع نفسه، دون وعي، بأنه لا يزال على قيد الحياة. هذه هي حالة الأطفال الذي يبكون ليلاً، غالباً ليجيبوا على قلق الأهل: القول بأن كل شيء على ما يرام، «أنت ترى أمك، إنه الليل ولا أزال قيد الحياة، إذن اطمئن، لا شيء يحدث لي». مع أن النوم يجيب على حاجة جسدية. مفارقة الحالة: إذا لم ننام، ننتهي بالموت. هناك أيضاً، لدى فرويد، نظرية تنبع من مبدأ اللذة، وتدعى مبدأ النيرفانا. هدف هذا المبدأ لا يكمن في تخفيض الإثارة إلى درجة معينة، كما هي حال مبدأ اللذة، إنما تخفيضها إلى العدم.
8 من هذا المبدأ يلد قلق الموت في التحليل النفسي. السؤال: خوف من الموت أو خوف من أن أموت، إنهما مختلقان. فالموت مأخوذ ككيان أو شخصية، ممثلة ومُسماة كما لو أنه شخص. بعض الخرافات تمثلها كالحصادة، تأتي لتأخذك: لست أنت من تقرر وهنا يأخذ قلق الموت معناه. كما لو أن أحداً ما يقرر عنك اللحظة حيث لن تعود موجود دون أن يطلب رأيك، بينما حياة الإنسان هي العنصر الأساسي للذات. لا وجود لنا بدون الحياة. فالخوف من الموت هو الخوف من ما يمكن تسميته دون أن يأخذ معنى واقعي، سفر نحو المجهول لا يمكن للإدراك بلوغه. بنظر يونغ، الخوف من الموت هو أحد الأسباب التي تقود لمحاربة التغيير.
9 إنه يؤكد بأن «الإنسان العصابي الذي لا يمكنه التحرر من أمه له أسباب وجيهة لذلك». في النهاية قلق الموت هو الذي يمسك به. الخوف من أن أموت هو أقرب أشبه بقلق الحياة، من هذا العجز للاستفادة كلية من أحداث وجوده، عجز مرتبط بالنسبة للبعض بالصعوبات التي واجهها الإنسان بطفولته أو بسبب صدمة ــــــ traumatismes ــــــ حدثت في سن البلوغ. عندما يكون هذا الخوف كبير ويسبب بتصرفات رهاب، من المهم طلب المساعدة النفسية ليحدد الأحداث المسببة. إذا هذا هو قلق الموت الذي يعيشه كل إنسان، بشكل لاواعي وبدرجات مختلفة بالطبع، بحسب خبرات الطفولة وغيرها.
10والسؤال: لماذا يشكل الموت معضلة، مشكلة صعبة على الإنسان؟ أولاً يبقى الموت أمراً لا معقول ولا معنى له. الموت واقع لا يمكن نكرانه، إنه يشكل إلى حد ما قانون الحياة، وفي نفس الوقت هو أمر غير طبيعي لأن الإنسان ينظر إلى الحياة على أنها حق له وبالتالي لا يحق لأحد أن ينتزعها منه. بهذا المعنى يمكننا أن نقول بوجود ما نسميه «بنزوات البقاء أو نزوات حفظ الذات»، والتي تعني أن الإنسان خُلق للحياة لا للموت. ما هو مفهومنا لواقع الموت وكيف يمكننا التعامل معه؟ يجيب أحد فلاسفة الصين القدماء على السؤال: ما هو الموت؟ إذا كنتم لا تدركون سر الحياة فكيف يمكنكم إدراك سر الموت.
11إنه بالطبع يريد أن يقول لنا بأن الأمرين هما مترابطين جداً، إنهما وجهين للأمر عينه. وكل الأساطير القديمة تعبر عن هذا الأمر من خلال رمزية المياه مثلاً من خلال هذه الرمزية تريد هذه الأساطير أن تقول لنا بأن الحياة تأتي من الموت، وأن الخلق أتى من العدم. والعدم شكل من أشكال الموت. الإنسان ومعضلة الموت: الإنسان، الحضارات الإنسانية لا تريد الموت. الإنسان في صراع لا ينتهي ضد الموت. كل حضارة إنسانية تعتبر تجاوز أو محاولة لتجاوز الموت. فالموت لا يشكل فشلاً للحضارات الإنسانية بل إنه هو الذي يخلقها إن صح التعبير. يخلقها على أنها محاولة لتفشيل مشروع الموت.
12إنها تأكيد لانتصار الحياة على الموت، إنها بكل بساطة ضد الموت. والإنسان يناضل دائماً ضد الموت ويسعى للخلود: إنجاب الأولاد وأهمية هذا الأمر، القيام بأعمال معينة تخلد ذكرى الفرد الخ. ومع ذلك الإنسان يعيش دائماً في قلق الموت. قد تقولون لي نحن لا نلاحظ هذا القلق من الموت. في الواقع لأنه لا واعي ولكن كلنا نعلم أن كل إنسان هو كائن قلق وقد تختلف درجة القلق من فرد لآخر إنما القلق موجود وهذا القلق هو في النهاية قلق الوجود كما يسمونه الفلاسفة أو قلق الموت كما نسميه في التحليل النفسي. وفي النهاية لا وجود لبرهان على أن المعنى له الكلمة الأخيرة في الحياة.
13في كل الأحوال لا الموت ولا الحياة هم أمور طبيعية بالنسبة للإنسان، إنما هو الذي يعطيها مكانتها وأهميتها. لأن خبرته في الحياة أو في الموت ليست بخبرات إنسانية إلاَّ بمقدار ما بفكرها ويحللها ويعطيها مكانتها وذلك من خلال وضعه للقوانين، للأعمال والطقوس وأخيراً للمعتقدات والأساطير. بمعنى آخر لم يكن الموت يوماً بالنسبة للإنسان مجرد أمر طبيعي بيولوجي. إنه يعتبر ويعاش من قبل الإنسان على أنه واقعة تم التفكير من حولها، واقعة أخذت بعداً حضارياً. علامة للوجود الأخلاقي والديني.
14عنصر من عناصر الطبيعة المؤنسنة. بهذا المعنى الموت بالنسبة للإنسان لا يعني الفناء، إنما أن نميت نوعاً معين من العلاقات والتعلقات، عالم فيه القدرة والتملك هم ذو طابع رمزي، ممجدين خيالياً ومقدرين ليس من أجل قيمتهم بل من أجل الأنا وخاصة بالنسبة للآخرين. أي الأنا أمام الآخرين. كيف يعيش الناس عادة حادث الموت؟ بالطبع الموت مرفوض من قبل الإنسان كما سبق وقلت، ولكن هذا الرفض له عدة أشكال من التعبير وعدة طرق من ردة الفعل. ردة الفعل أمام الموت هي بشكل عام، أكبر من حجم الحدث بكثير. بالطبع لا أريد القول بأن الموت أو فقدان إنسان ما عزيز هو بالأمر السهل، ولكن دائماً ردود أفعالنا أمام الموت أقوى من أهمية الحدث بحد ذاته.
15وهذا ما نلاحظه في بعض الأحيان مثلاً عندما تكون هناك "ندابة؟". أو مثلاً عندما يصبح الإنسان قديساً بعد موته علماً أنه لم يكن هكذا أثناء حياته. فماذا تعني لنا ردود الأفعال هذه؟ إنها تهدف بالطيع بشكل لاواعي إلى التعبير عن الذات: علينا أن نبين للآخرين عن مدى حزننا، عن مدى تأثرنا بالحدث بالإضافة إلى أنها تعبر إلى حد ما عن هروب من مواجهة الموت. بدلاً من أن أترك نفسي أواجه الموت من خلال الصمت والتفكير، أهرب في التعبير الخارجي. وإذا كنَّا نتحدث ايجاباً عن شخص مات بينما كنا نقول عكس ذلك من قبل فهذا يعود لكوننا نعيش الموت على أنه عقاب وبالتالي عليَّ أن أتحدث ايجاباً عن المعني بالأمر حتى لا أصاب بذات المصيبة أو على الأقل حتى تتحدث عني الناس ايجاباً أيضاً.
16غالباً ما تبكي الناس حالتها أكثر من أن تبكي المفقود: «ماذا أنفع بدونك؟ ماذا أعمل بدونك؟ الخ..». هذه الناحية تظهر بقوة كبيرة لدى المسيحيين في يوم «الجمعة الحزينة أو العظيمة». هي يبكون موت المسيح، أم موت أحبائهم وموتهم الشخصي الذي ينتظرهم؟ باختصار أقول إنه بشكل عام نحن نميت الموت. لا ندع للموت مجالاً من أن يعبر لنا عن أي شيء، لا نتركه يقول لنا شيئاً، وأخيراً لا نسمح للموت بالتكلم. في النهاية نرفض مواجهة الموت. وهذا قد يؤدي أحياناً إلى حالات صعبة: الكآبة. بهذا المعنى تحدث فرويد عما نسميه «عيش الحزن أو العمل على الحزن». ولكن قبل التحدث عن هذا الأمر ما الذي يؤدي بالإنسان إلى رفض الموت بهذه الشدة؟ وما هو معنى كلمة الحزن؟
17في اللغة المتداولة كلمة حزن تعني أولاً الحالة المؤلمة التي يولدها الفقدان، فقدان إنسان عزيز، ثانياً كلمة حزن تعني أيضاً حالة الألم والحنين التي تأتي في مرحلة ما بعد الفقدان. فالحزن هو من مقومات فقدان موضوع الحب. الحقيقة هو أنه في موضوع الحزن (الإنسان المفقود) يتم توظيف جزء كبير من النزوات حوله. لذلك أثناء الفقدان تتحول هذه النزوات باتجاه الذات باتجاه الأنا وتشكل نوعاً من العودة النرجسية بدلاً من أن تكون نحو الخارج. فهذه النزوات لم تعد تؤمن نوع من الواقعية. فيظهر هذا الأمر تحت شكل الانطواء على الذات، رفض العالم الخارجي، العيش في ذكريات الماضي الخ…
18هذا التراجع في النزوات يؤدي إلى نوع من التماهي مع المفقود: جزء من الأنا يصبح موضوع الحب. فالتماهي النرجسي مع الموضوع يأخذ مكان توظيف الحب. هذه العملية توجد في كل عملية حزن طبيعية كانت أم لا. في هذه العملية تكون هناك محاولة إدخال الموضوع المفقود إلى داخلي من أجل تأمين استمرارية العلاقة معه ورفض موته أو فقدانه. ولكن مع الزمن تقوم الأنا بالقطع مع المفقود وتعيد توزيع النزوات. فمهمة الحزن هي التالية: الوصول إلى قبول عدم وجود الموضوع المفقود وفصل النزوات عن كل العلاقات التي تعيده إلى المفقود. ردة الفعل الأولى على الواقع تكون الرفض والعيش في الذكريات كوسيلة لرفض الغياب.
19بالطبع أحياناً وفي الحالات المرضية قد يعيش الإنسان الموضوع بشكل هذياني ويرفض قطعياً موته: «لم يمت وسوف يعود وأنا متأكد من ذلك». عمل الحزن يكمن إذن في مساعدة الإنسان للقبول بالواقع، إنه يهدف إلى فقدان الموضوع لكي يجده مجدداً، أي أن عمل الحزن ينجح عندما يستطيع الإنسان أن يحافظ على حبه للمفقود وحبه للحياة معاً. كيف يمكننا فهم شدة ردود الفعال في بعض الحالات أمام الموت؟ في الحقيقة تقول لنا «ميلاني كلاين» بأن هذا الأمر يعود إلى نوعية ردود أفعال الإنسان أمام الأحزان التي عاشها في طفولته. وخلافاً لما نعتقد فالطفل يواجه العديد من الأحزان أثناء الطفولة: تحدثت عن الولادة مخبرة قلق الموت،
20والآن أضيف مرحلة الفطام: في الفطام يبكي الطفل ثدي أمه وكل ما يمثله له من حب وعناية، من تأمين الحياة والأمان الخ.. ردود أفعال الطفولة هذه مهمة لأنها تؤمن للطفل نضجاً نفسياً وعاطفياً كبيرين بالإضافة إلى أنهما يشكلان نقطة انطلاق خلاقة بالنسبة له، بالطبع شرط أن يعيشها بشكل جيد وإيجابي. لا ننسى بأن الإنسان لا ينمو إلاَّ من خلال الأزمات. هذا يعني كما هو واضح أن الحزن لا يعني فقط عملية فقدان موضوع الحب، بل أكثر من ذلك إنه يعني بكل بساطة التخلي، إنه يشكل عملية تخلي؛ تخلي عن صورة مثالية عن الذات، هذه الصورة التي تحقق النرجسية من خلال التعلق في مواضيع حب مختلفة.
21في النهاية أقول أن للمجتمع دور مهم في مساعدة الفرد على الخروج من كآبة حزنه: في المجتمعات البدائية كان هذا الأمر يتم من خلال الطقوس الجماعية. هذه الطقوس هي التي تحدد بداية ونهاية الحزن. ماذا عن مجتمعنا؟ هذا الأمر مختلف بحسب البيئة، بحسب الدين ولكن هناك عاملاً مشتركاً ذو أهمية كبيرة ولكننا قد لا نعي بالكفاية مدى أهميته ألا وهو «ذكرى الأربعين»! أين نحن منه وهل يقوم بمهمته؟ ذكرى الأربعين تعني الوقت اللازم لكي ينتهي مبدأياً الحزن، أي لكي يستطيع المعنيين بالفقدان والحون أن يقبلوا هذا الواقع وبالتالي قادرين على القول: «الله يرحمو/يرحما».
22ولكن للوصول إلى هنا لا بد من «عيش الحزن أو العمل على الحزن» الذي نوهت إليه. غالباً، ما أُدعى في حالات الوفاة لكي أواسي أهل الفقيد/ة. والناس تتوقع مني تهدأتهم، والمفاجأة تكون بأنني أشجعهم على التعبير عما يشعرون به بدون حدود: صريخ، كفر، أي تعبير يريدونه. هذه هي الخطوة الأولى والأساسية لعيش الحزن أو ما سميته عمل الحزن. دون هذه العملية قد يبقى الإنسان طوال حياته في كآبة، ظاهرة أو خفية. صديق لي توفيت أخته بمرض السرطان بعد معاناة لسنين طوال. فالعائلة مُهيئة لهذه الساعة، ولكن، بالطبع يبقى الموت مؤلم ومرفوض. بعد حوالي السنة أو أكثر، قال لي «بتعرف بهالفترة حاسس إني فاقد الإحساس وطعم الحياة وما بعرف ليش».
23فأجبته لأنك لم تعيش حزنك على أختك. فتفاجئ! قلت له: بما أنك الأخ الكبير في العائلة، والأب متوفي، فأخذت دور القوي لحماية أمك واخوتك الصغار. قللي صحيح. شو العمل؟ لازم تعيش حزنك. حتى ولو أنه مضى وقت طويل على الوفاة، لازم تلاقي الطريقة لتعيش حزنك. وبالفعل أتى اليوم حيث قال لي: الموضوع متل السحر! ووجد حياته الطبيعية.
24 بشكل عام يفكر الإنسان بموت الأقارب: الأهل، الأولاد، الأخوة والأخوات، لكن أبداً لا يفكر بموته الشخصي. وإن فكر فلكي يتخيل فيما إذا مان سيكون هناك مشاركين كثر في جنازته. وهذا، بالطبع دليل هروب من مواجهة الموت. لذلك من الضروري التحدث عن الموت وقراءة ما كتب عنه. في الفلسفة هناك قول: «التفلسف ــــ ليس بالمعنى الشعبي السلبي للكلمة ــــ يعني أن تتعلم أن تموت!»
25يمكن تلخيص عمل الحزن ببعض المراحل: عمل الحزن: 1 مرحلة الصدمة والحرمان، يواجه الشخص صعوبة في تصديق أو إنكار الواقع وقد يكون غير قادر على الرد. 2 مرحلة الاحتجاج، قد يعاني الشخص من الغضب وعدم الفهم والشعور بالظلم والذنب إلى حد ما. يبدأ الشخص في التعرف على ديمومة الخسارة. 3مرحلة الفوضى: قد يشعر الشخص بالحزن الشديد والقلق والعجز. يمكنه أيضًا أن ينغلق على نفسه، ويفقد الاهتمام بأنشطته المعتادة. 4 مرحلة إعادة التنظيم والتكيف: يصبح الشخص أقل شعوراً بالخسارة ويستعيد تدريجياً قدرته على الاستمتاع. يتجدد اهتمامه وإمكانية مشاريع جديدة. يتكيف مع وضعه الجديد.
- الإيمان المسيحي والموت:
إيماننا المسيحي أساسه هو دون شك الرجاء. نحن نعيش على رجاء القيامة كما يقول لنا بولس الرسول. ولكن دون شك هذا الرجاء عليه أن يبنى على أسس إنسانية قبل كل شيء ولهذا السبب بدأت محاضرتي بالبعد الإنساني والنفسي لكي أصل وأنتهي بالعد الديني. أي أنه إذا كنت إنسانياً ونفسياً رافض للواقع فمن الصعب على الإيمان أن يخرجني من حزني، إنما في الحالة المعاكسة الإيمان يأتي ويدعم خبرتي الإنسانية ويعطيها معناها الحقيقي.
الإيمان المسيحي يدعوني للثقة بأن الموت ليس النهاية وأن هناك القيامة التي تكمن في اللقاء، وجها لوجه، مع الله، مما يعطيني فرحاً لا ينتهي. ولكن إذا كان إيماني ضعيف بهذا الأمر فهذا يعود إلى ضعف في الإيمان بشكل عام وكلنا ضعيفي الإيمان؛ لكنه يعود أيضاً وبنسبة لا يستهان بها إلى كوني أعيش نمطاً من العلاقات مع الآخرين غير سليم، غير صحيح، غير حقيقي. إنني أعيش علاقات تملك للآخر مما لا يسمح لي بقبول الانفصال عنه حتى ولو كان مؤقتاً، لا يسمح لي، في بعض الأحيان، بالابتعاد عنه.
الإيمان بالقيامة، القيامة بحد ذاتها، يمكنني أن أختبرها في حياتي اليومية، بالطبع بشكل جزئي: فالقيامة أختبرها في كل مرة أقبل التخلي، ومنذ لحظة قلت بأن الحزن أشمل من الفقدان إنه يكمن في التخلي. ففي كل مرة أقبل أن أعيش التخلي، التخلي حباً بالآخر فأنا أكون في القيامة. بهذا المعنى اختبر بولس الرسول القيامة في حياته واعتبرها خبرة تحول تنتج من العلاقة الحميمة مع الله: هذه العلاقة هي التي تسمح لي بقبول التخلي حباً بالآخرين وبالتالي تحولني من إنسان منغلق على ذاته، يسعى لتلمك كل شيء بما فيه الآخرين، إلى إنسان منفتح يسعى للقاء الآخر ويحبه دون أن يمتلكه، يحبه له أي للمحبوب.
عمل الحزن: 1 مرحلة الصدمة والحرمان، يواجه الشخص صعوبة في تصديق أو إنكار الواقع وقد يكون غير قادر على الرد. 2 مرحلة الاحتجاج، قد يعاني الشخص من الغضب وعدم الفهم والشعور بالظلم والذنب إلى حد ما. يبدأ الشخص في التعرف على ديمومة الخسارة. 3 مرحلة الفوضى: قد يشعر الشخص بالحزن الشديد والقلق والعجز. يمكنه أيضًا أن ينغلق على نفسه، ويفقد الاهتمام بأنشطته المعتادة. 4 مرحلة إعادة التنظيم والتكيف: يصبح الشخص أقل شعوراً بالخسارة ويستعيد تدريجياً قدرته على الاستمتاع. يتجدد اهتمامه وإمكانية مشاريع جديدة. يتكيف مع وضعه الجديد.