كيف أواجه الأزمات في الحياة
كيف أواجه الأزمات في الحياة
سنبدأ اليوم بسلسلة جديدة سنسميها سلسلة الأزمات، لاسيما أننا ننتقل منذ عام 2011 من أزمة إلى أخرى. والسؤال المطروح هو ماذا يعني أزمة؟ هل نستطيع أن نعرّفها بسطرين؟ ما هو تأثير الأزمة على الإنسان شخصياً ومجتمعياً؟ على أن يتم تفصيل الموضوع والتعمق به على مختلف الأصعدة في الحوارات القادمة.
بما أن الإنسان أكبر من أن يحد بتعريف أو يستوعب كلياً فكل مجال علمي متعلق بالإنسان يقدم لنا شيئاً عن الإنسان وما يختبره. لكن المهم أن تلتقي هذه المجالات العلمية مع بعضها البعض بخصوص ما هو جوهري عن الإنسان.
قبل أن نتكلم عن مختلف تعاريف الأزمة دعوني أخبركم عن جملة طريفة لفنان فرنسي معروف متوفى اسمه كولوش. كان كولوش معروفاً بلقب (أبو الفقراء) لأنه أسس على حسابه ما سماها بمطاعم القلب وهي مطاعم تقدم طعاماً مجانياً للفقراء. يقول كولوش "يبدو أن الأزمة تجعل الأغنياء أكثر غنىً والفقراء أكثر فقراً، فلا أرى أين الأزمة بما أنه منذ طفولتي والأمر سيان".
هناك أكثر من تعريف للأزمة فطابع موضوعنا اليوم علمي:
التعريف الأول: تطلق كلمة أزمة على كل حدث يظهر فجأة يزعزع استقرار تنظيم معين كشركة، أو أخوية، أو دولة، إلخ. يرافق هذا الحدث شحنة عاطفية قوية وذعر يتسبب بفقدان هذا التنظيم لمراجعه وبالتالي إمكانية التحكم بذاته.
التعريف الثاني: الأزمة هي حدث اجتماعي أو شخصي يتميز بذروة من الآلام والتناقضات وحتى عدم اليقين أي الضياع. قد يؤدي هذا الحدث إلى انفجارات من العنف أو الثورة. بهذا المعنى إن الأزمة هي كسر للتوازن الموجود في المجتمع أو الشركة أو المؤسسة.
على الصعيد الطبي الأزمة هي تغيير سريع وخطير يمس بالحالة الصحية لشخص ما يبدو ظاهرياً بصحة جيدة. حيث تحدث معه فجأة أزمة قلبية أو أزمة ربو مثلاً. أما من الناحية النفسية فالأزمة هي تفاقم شعور معين كأزمة يأس أو منتصف العمر، إلخ.
الأزمة هي ظاهرة تحدث بالعديد من المجالات وتتطلب إدارة خاصة (خلية الأزمات) التي تُخلق في حينها لتواكب الأزمة كما حدث في الكورونا مثلاً.
في بعض الحالات يمكن أن تكون الأزمة مفيدة وتحدث تغييراً مهماً. وحالياً هناك نمط جديد من الأزمات يقود إلى مخاطر مهمة.
بالطبع هناك أزمة أو أزمات بكافة مجالات الحياة اقتصادية كانت أم سياسية، كنسية، اجتماعية، إنسانية.
ما هي الأزمة إذاً؟
عفوياً بطريقة استعمالنا للكلمة لدينا جميعاً فكرة عنها- مثلاً أزمة المراهقة، أزمة وجودية، أزمة منتصف العمر، أزمة عصبية. أو يمكن أيضاً أن تجعلنا كلمة أزمة نفكر في إنسان تائه عاجز عن الاختيار والتفكير، عاجز أن يعطي معنى عن الشيء الذي يحصل معه. إذاً الأزمة تجعلنا نفكر بشيء من فقدان المرجعيات وبعدم التوازن وبعبور صعب ومؤلم بين نهاية زمن معين وبداية زمن آخر.
اليوم يمكننا أن نقول مثلاً: قبل الكورونا وبعد الكورونا.
تعتبر الأزمة في أغلب الأحيان كحدث يخلق بتراً أو فصلاً وأحياناً كفترة زمنية وسيطة أو تغيير أو كارثة أو عبور ضروري بين ما قبل وما بعد.
إن الأصل اليوناني للكلمة جميل إذ يعني في الوقت ذاته قراراً ونقطة تحول، اختياراً وتخلياً. أي أن الأزمة على طريق حياتنا هي عبارة عن مفترق طرق، نقطة تلاقي عدة طرق تتطلب منا تخلياً عن عالم معروف مطمئن وتدفعنا باتجاه المغامرة على طريق جديد أو باتجاه بلدان أخرى. لا يخلو هذا الاختيار الجديد بالطبع من المخاطر أو النتائج.
باللغة الصينية تعني كلمة الأزمة فرصة وخطراً بما يعني أنها تولّد الخوف والخطر وتدفعنا بنفس الوقت باتجاه الأمل بالجديد.
بالمجال النفسي نعرّف الأزمة كفترة زمنية انتقالية قصيرة، غالباً بسبب حدث ما يدفع بالإنسان ليختبر الصعوبات التي لا يستطيع أن يحلها بمفرده وبإمكانياته الشخصية والاعتيادية، لذا يولد عنده شعوراً بالألم والقلق والغموض والفوضى. يعتبر هذا النوع من الأزمات جزءاً لا يتجزأ من الحياة الإنسانية وهو طبيعي جداً فمن خلالها يمكن للفرد أن يتطور باتجاه نمو جديد ونضج جديد أو أن تتدهور حالته وتصبح أكثر هشاشة أمام توترات المستقبل.
بدأ الموضوع عام 1944 مع شخص يدعى ليندمان انطلق من حدث حصل في أميركا وهو حريق أودى بحياة 500 شخص. تقول النظرية إن الأزمة تميزت بمتلازمة الحزن عند الناس الذين نجوا من الحريق وهذه المتلازمة تعتبر شكلاً خاصاً من الأزمة. يقول ليندمان إن الذين نجوا من الحريق كان لديهم أعراض جسدية ونفسية تتميز بهوس صور الموت وبمشاعر الذنب والعداوة وتغير التصرفات اليومية. ويستخلص بأن هذا الألم الحاد هو عبارة عن ردة فعل ضرورية وطبيعية أمام فقدان مهم، ويتميز هذا الألم بأنه قصير لكنه كثيف وهو حدث سببه هذا الحادث المؤلم. يضيف أن مدة الألم وقساوته وتحول مسيرة الحزن تتناسب مع قدرة الشخص على تجاوز الأزمة، فإذا كانت قدرته قوية فتمر خفيفة، وإذا كانت قدرته ضعيفة فتكون مدتها وقساوتها أكبر.
تتميز هذه المسيرة بثلاث مراحل:
في المرحلة الأولى يتحرر فيها الإنسان من الروابط التي تربطه بالإنسان المفقود، عملية الحزن. في المرحلة الثانية يبدأ بالتأقلم مع المحيط بغياب الإنسان المفقود. وفي المرحلة الثالثة يبدأ ببناء علاقات جديدة، ويحصل على طرق جديدة للتعامل مع الآخرين، ويستخلص بأن الأزمة بحد ذاتها ليست بطبيعية وليست بمرضية. لكن حين لا يكون هناك اهتمام بالألم الناتج عن الأزمة أو عندما يكون هناك تأخير في العملية الطبيعية للحزن يمكن أن يكون لذلك انعكاس سلبي قد يقود للمرض.
عالم آخر اسمه تايهرست تكلم عن الهجرة، والتقاعد، والكوارث المدنية، فيعرّف الأزمة على أنها حالة مؤقتة سببها العبور أو التغيير من حالة إلى أخرى، ويذكر أيضاً وجود ثلاث مراحل للأزمة. المرحلة الأولى هي الصدمة أو التأثير وتتميز بالتوتر وبالخوف وبشيء من الهيجان. في المرحلة الثانية ينغلق فيها الإنسان على ذاته، ويخف فيها التوتر قليلاً، لكن تظهر فيها ردود فعل تراجعية، أي يتراجع باتجاه الطفولة. أما المرحلة الثالثة فتكمن بالوعي بعد الصدمة وفيها يصبح فيها الإنسان قادراً أن يقبل ما حدث معه أي أن يقبل الأزمة.
تأخذ النظرية التحليلية النفسية بعين الاعتبار التاريخ الطولي للفرد وبالتالي تستخدم عامل الزمن وعامل القلق بالإضافة إلى البحث عن المعنى.
إن مراحل نمو الفرد النفسي العاطفي يتم من خلال مراحل فموية، شرجية، مرحلة الأوديب، فترة الكمون، سن البلوغ. بين كل انتقال من مرحلة إلى أخرى هناك أزمة. فالأزمات هي جزء لا يتجزأ من حياتنا إذ لا ينمو الإنسان إلا من خلال الأزمات. وبالتالي كل انتقال من مرحلة إلى أخرى يحدث تغييراً كبيراً في الإنسان ويصبح هناك تنظيم جديد لرغباته الجنسية. كمثال على ذلك مسيرة النمو العاطفي النفسي للإنسان هي مسيرة تنتقل من الجزئي إلى الكل. يعني الجزئي مثلاً أن الطفل الصغير يعيش لذته الجنسية من خلال مص الاصبع (يده أو رجله) أو من خلال اللعب بالعضو التناسلي لديه. لكن هذه اللذة جزئية لأنه من المفترض حين وصوله لسن البلوغ أن يكون قد وصل إلى الكلية وبالتالي يصبح مصدر اللذة لديه هو الشخص الآخر ككل. لكن حتى ينتقل من الجزئي إلى الكل يجب أن يعبر بمراحل أخرى -نتكلم عنها لاحقاً بشكل تفصيلي- هذا الانتقال من كل مرحلة إلى أخرى يشكل أزمة لأنه يتطلب منه التخلي عن المرحلة السابقة، وهو لا يريد أن يتخلى عنها لأنه سعيد فيها. فمثلاً إحدى أوجه أزمات المراهقة لدى المراهق أن عليه أن يتخلى عن الطفولة ويبدأ بالدخول إلى عالم البالغين وهو لا يريد أن يتخلى عن الطفولة لأنه سعيد بها. فالأزمة من جهة تشكل ألماً لكنها مصدر تغيير وباب مهم جداً للتقدم إلى الأمام ونمو من أفضل إلى أفضل، فإن لم نفطم الطفل مثلاً لا يصبح إنساناً.
منذ الولادة إلى القبر هناك أزمات فبالتالي نقول أنه لا داعي للخوف من الأزمات لكن المهم أن نعرف كيف نتعامل مع الأزمة. الأزمات هي أزمات طبيعية لها مدة زمنية مشتركة بين كل أفراد المجتمع الواحد، لكن حين لا يكون هناك أزمة بفترة معينة، سيكون لذلك انعكاسات سلبية من الصعب تجاوزها. فمثلاً حين نسعد كمربين بأننا لم نشعر أن الشاب أو الفتاة قد مرا بفترة المراهقة وهذا قد يكون طبيعياً، لكن من الممكن أن تظهر هذه المراهقة في المكان والزمان غير المناسبين. أو مثلاً لا يزال أشخاص بعمر الخمسين مراهقين. وبالتالي يشكل كل انتقال من مرحلة إلى أخرى صراعاً، وكل صراع لم يُحل له تأثير على الفرد ويعطيه توجهاً مستقبلياً معيناً مما يعني أن كل عمل أو تصرف يأخذ مصدره من تاريخ الفرد وخبرته من الماضي الخاص به أي المكبوت أو الموجود في اللاوعي الخاص به حيث سيظهر بتنظيم جديد للآلية النفسية الخاصة به. لكن المهم ألا نخاف من الأزمة أو مواجهتها.
كيف نستطيع أن نتعامل مع الأزمة؟
نشعر أمام الأزمة عادةً بالخوف والخطر ونفقد مرجعياتنا وإمكانياتنا الذهنية والعقلية وبعدها نجد أنفسنا فجأة نقوم بتصرفات لا عقلانية. فنجد الناس تسرع بالتموين أو بشراء كل شيء أوما شابه ذلك. فكيف يمكننا التصرف؟
أولاً أن نهدأ حتى نتمكن قدر المستطاع من استعادة إمكانياتنا العقلية ونفكر بطريقة موضوعية. ثانياً حين أكون أنا بأزمة علي أن أسأل نفسي أولاً هل أنا جزء من الأزمة أم جزء من الحل؟. أكون جزءاً من الأزمة مثلاً حين أشتكي دوماً وأكرر ذات الشيء، فأزيد حينها ألمي بألم أكبر يجعلني أعيش نوعاً من الذنب. بينما إذا أردت أن أكون جزءاً من الحل فعلي أن أطرح سؤالاً على نفسي وهو ماذا أستطيع أن أفعل؟ ما هو الموقف الذي علي أن أتخذه؟ كيف يمكنني أن أحول هذه الأزمة إلى فرصة إبداع وخلق بالنسبة لي؟ وقد تكلمت سابقاً عن هذا من خلال موضوع فيروس الكورونا وإن كان نعمة أم نقمة.
فالموضوع إذاً هو بيدنا، المهم ألا نخاف وأن نعرف أن نميز بين الأمور التي لدينا سلطة عليها ونستطيع أن نتحكم بها وأن نحولها إلى نقطة انطلاق وتحول في حياتنا، وبين الأمور التي لا تعود لنا فعلينا أن نقبل بها، لا يعتبر ذلك استسلاماً ، لكن هذه الأمور موجودة ولا نستطيع أن نقوم بأي شيء حيالها.
فمثلاً في أزمة الكورونا، هناك أشخاص يقولون إن هذا الموضوع لا يعنيهم. إن هذا التصرف لا عقلاني، لأن التصرف العقلاني يكمن في السؤال ما إذا تصرف كل الناس بهذه الطريقة أو تلك فهل ستصبح الأمور أفضل أم لا. أي إذا كنتُ حريصاً على عدم انتشار الفيروس وتصرف الآخرون مثلي فستكون الأمور بالتأكيد أفضل. وبالتالي شئنا أم أبينا بأية أزمة نعبر بها لدينا مسؤولية على عاتقنا.
والسؤال ما هي مسؤوليتي؟ كيف يمكن أن أواجه الأزمة من دون أن أفقد مرجعياتي ومن دون أن أفقد السيطرة على ذاتي؟ كيف يمكنني تحويل الأزمة إلى مكان إبداع؟