الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

مواضيع تربوية نفسية، يطرحها الأب رامي الياس المختص بعلم التحليل النفسي

يسوع مؤثر «influencer»؟

2023-Dec-28 | مواضيع تربوية نفسية | 528

في يوم من الأيام دخل يسوع مع أصدقائه إلى مطعم لتناول الطعام ولتمضية وقت مسلي مع بعضهم البعض. منذ اللحظة التي جلسوا فيها، فتح كل واحد وواحدة منهم هاتفه الخلوي وبدأوا يتصفحون مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. البعض منهم توقف على صور فتيات جميلات، والبعض الآخر على وصفات الطاعم، والبعض الآخر على كيفية استعمال الذكاء الاصطناعي..... البعض منهم يقهقه ضحكاً، والبعض الآخر يصرخ اعجاباً والبعض الآخر يتساءل إن كان ما يراه ويقرأه حقيقي أم أمر افتراضي بحت!

ثم خيم الصمت لمدة بضع ثواني فسألوا يسوع: «ما المشكلة؟ أنت لا تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي؟ ألا يهمك الأمر، أنت أكثر من يتحدث عن التواصل بين الناس وبينهم وبينك! أتيت لكي تعلم الناس التواصل الحقيقي وليحبوا بعضهم البعض». فجال بنظره عليهم وعلى الجالسين على الطاولات الأخرى وأجابهم: «عن ماذا تبحثون؟ إذا كنتم تبحثون على التواصل، والتواصل الحقيقي بالتحديد، كما تدعون، فلماذا لا تتواصلون مع بعضكم ومعي بالتحديد ونحن هنا لهذا الهدف؟

هل ما وجدتموه على هذه الصفحات حمل لكم جديداً؟ أضاف لكم معنى وتفاؤل؟ فتح لكم نوافذ أو أبواب جديدة؟ شددتم على مجيئي معكم وعبرتكم عن اشتياقكم لسماع آخر أخباري، وأقوالي، الخ لكن في الواقع تركتموني وحيداً وما من أحد اهتم لا بأخباري ولا بأقوالي.

بالإضافة إلى أنكم تعلمون أنني نشط على وسائل التواصل، لدي موقع على الانترنت، وصفحة على الفيسبوك، وقناة على اليوتيوب وعلى التيك توك، الخ. وما من أحد تصفح شيئاً منها». المشكلة، على ما يبدو، أنكم تفضلون التافه والمسطح على العميق وذو معنى، وهذا الأمر تنجح فيه نجاحاُ باهراً مختلف وسائل التواصل التي هي، برأي وسائل اللاتواصل. تتباهون وتفتخرون وتتنافسون بعدد أصدقاءكم على هذا الصفحات. كم عدد الذين تعرفونهم، والذين تعرفونهم هل تعرفونهم بالفعل؟»

كان كلامه بمثابة صدمة قوية وضعتهم أمام حقيقتهم فلم يستطيعوا الإجابة على كلامه فظلوا صامتين. ثم بدأوا يتساءلون فيما بينهم: «حقيقة، لماذا لم يفكر أحد بتصفح صفحاته ونحن نعلم كم هي واقعية وعميقة وحقيقية وفي النهاية مؤثرة؟».

هل فكرنا لمرة بيسوع كمؤثر في حياتنا؟ كتب ما يتفوق على كل هذه الوسائل. هل نتأثر بكلامه كما نتأثر بكلام هذه الوسائل؟ يسوع مؤثر من خلال الإنجيل بالطبع، لكن أيضاً من خلال الكنيسة. والبابا فرنسيس يقول بأن العالم الرقمي هو «عطية من الله»، ويدعو المسيحيين إلى عدم «قصف وسائل التواصل برسائل دينية»، بل بالأحرى اتخاذ الطرق الرقمية لحمل الكلمة الإلهية مع الإصغاء أيضًا إلى ما يقوله الآخرون من أمور جيدة. باختصار، لقد أملى البابا فرنسيس مبادئ التواصل الناجح في العصر الرقمي.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل نعيش يسوع كمؤثر وكيف؟ هل نحن كمربين نحاول أن نكون مؤثرين بدلاً من أن نستقبل ما نقرأه على هذه الوسائل المتنوعة؟ نحن على قناعة بأهمية أقوال يسوع ونرغب في عيشها وترجمتها في واقعنا، لكننا لا نقوم بذلك. لماذا؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن ندرك مدى التشوه الذي تخلقه بعض وسائل التواصل، والذي يشوش فكر المؤمنين. كم وكم من المرات يُطرح عليّ السؤال من قبل العديد من المسيحيين حول حقيقة ما قاله البابا فرنسيس بخصوص مواضيع عديدة، كالجنة والزواج المثلي، الخ. نتلقى ما تقوله هذه الوسائل على أنه حقيقة بدلاً من أن نبحث بشكل شخصي وعميق عن حقيقة ما يتم نقله.

بعد لقاء الكاردينال ساندري مع الشباب في دمشق أعلنت بعض هذه الوسائل بأن البابا سيزور سوريا وحددت التاريخ!!! بالطبع كثير من المؤمنين تلقوا النبأ على أنه حقيقة وواقع. علينا أولاً وقبل كل شيء أن نشكك اوتوماتيكياً بما تنقله هذه الوسائل، ونبحث عن المصدر. بالطبع هذا الأمر يتطلب القليل من الوقت والجهد، وهذا، مع الأسف، ما نهرب منه، فنفضل ما هو جاهز على أن نبحث بشكل شخصي ومعمق.

كم هو جميل ومُفرح عندما تجد نفسك ما تبحث عنه؟ البحث الشخصي يغنيك كثيراً ويوسع أفقك ويعطيك شيء من الفرح الحقيقي. يسوع ليس بمؤثر في حياتنا لأننا لا نقوم بهذا البحث. وإن وجدناه بطريقة أو بأُخرى فنعبر إلى جانبه بدلاً من التأمل به. لكي يكون يسوع مؤثر في حياتنا يمكننا البدء بالبحث عن الصفحات التي تهتم بذلك. وهناك الكثير منها!   

البعض قد يتساءل: ماذا يمكننا أن نعمل لكي نكون مؤثرين؟ أولاً لا بد من وجود رغبة حقيقية للقيام بذلك. فهل نملك هذه الرغبة؟ ما أُعطي لكم من خلال التأهيل بشكل عام بإمكانه أن يجعلكم مؤثرين. جميعنا أو أغلبيتنا نملك صفحة على الفيس بوك أو على أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، يمكننا استعمالها لنكون بدورنا مؤثرين. لماذا لا نقوم بذلك؟ ما الذي يمنعنا من القيام به؟

قد يكون ضعف الثقة بالنفس له دور في الموضوع، لكن برأي هو أكثر الخوف من الجهد الذي يطلبه هذا الدور، بالإضافة إلى الخوف من ردود الفعل. هذا الضعف بالثقة يعود في أغلب الأحيان إلى الشك بخصوص عدد من سيتابعنا. وهذا أمر مهم. هل أبحث عن الكم أم على النوع؟ عندما تقول شيء حقيقي لا يمكن إلاَّ أن يؤثر بالمتلقي، لكن لا نعلم متى وكيف يتم هذا التأثير. قد نخاف من بعض التعليقات الساخرة. فلا داعي للخوف هذا أمر طبيعي جداً.

شخصياً، في بعض أيام الآحاد من ضمن التعليقات على القداس أو موعظة الأحد، هناك من ينعتني وينعت المسيحيين بالكفار، لكن هذا الأمر لم ولن يمنعني من المثابرة.

لكن الخوف الأهم والأساسي هو الخوف من مواجهة الذات الذي يتطلبه دور المؤثر: لكي تكون مؤثراً لا بد من وجود قناعة، هدف واضح وخاصة إيمان وعمل بالمادة التي تريد أن تكون مؤثراً فيها. والتأهيل المُعطى لكم هو قبل كل شيء لكي تنقلوه في مراكزكم، لكن أيضاً، ومن مبدأ بقعة الزيت أو كرات الثلج، يهدف لكي تنشروه أقله في المحيط المسيحي، لكن أيضاً خارج هذا المحيط. لتحقيق ذلك، لا بد من القيام، كما نعمل في التأهيل، بنقل الإنجيل بلغة إنسانية واقعية تمس الحياة اليومية، بهذه الطريقة نصبح بالفعل مؤثرين. ومن شاركوا في الدورات الأخيرة لمسوا حقيقة هذا الأمر.

عندما نقول مؤثرين، هذا لا يعني البحث عن العدد، إنما على النوعية، أي ليس المهم عدد من يتابعوننا، بقدر ثبات المتابعين دليل على أننا مؤثرين حقاً. وهنا أذكركم بمحاضرتي «المسيحية إنسانية والإنسانية مسيحية». وقراءاتنا للأناجيل كرواية، وهذا ما قمنا به بدوراتنا في السنوات الأخيرة، لكي نصل إلى عمق النص وواقعيته.

المُعترف عليهم مؤثرين هم بالإجمال من حصلوا على العلامة الزرقاء، لكننا نعلم أن هذه العلاقة يمكن الحصول عليها بالمال! وفي المونتاج الذي شاهدناه، رأينا بأن المسيح دفع حياته للحصول على العلامة الزرقاء. وبهذه الطريقة هو أصدق مؤثر يمكننا أن نلتقي به ونتابع «صفحاته».

فهل نريد أن نكون مؤثرين؟ هذا هو الثمن لذي قد ندفعه ليس بالضرورة الموت الجسدي، لكن حتماً الموت عن كل ما هو سطحي وزائف، عن كل ما يأتينا بلباس الخير ليقودنا إلى الشر وتخريب وهدم معنى علاقاتنا وحياتنا، لكي نقود من نؤثر بهم فعلياً إلى ما هو أعمق وأكثر حقيقية.  

 

 

SHARE