الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 29 تشرين الثاني 2020: موعظة الأحد الأول من زمن المجيء

2020-Nov-29 | عظات | 762

أش 63، 16 – 19؛ 64، 2 –7  1 قور 1، 3 – 9   مر 13، 33 – 37  

 

«في ذلك الزمان: قال يسوع لتلاميذِه: «احذروا واسهَروا، لِأَنَّكم لا تَعلَمونَ متى يَحينُ الوَقْت.  فمَثَلُ ذلكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ سافَرَ وترَكَ بَيتَه، وفَوَّضَ الأَمرَ إِلى خَدَمِه، كُلُّ واحدٍ وعمَلُه، وأَوصى البَوَّابَ بِالسَّهَر. فَاسهَروا إِذًا، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ متى يأتي رَبُّ البَيت: أَفي المَساء أَم في مُنتَصَفِ اللَّيل أَم عِندَ صِياحِ الدَّيك أَم في الصَّباح، لِئَلاَّ يَأتيَ بَغتَةً فَيجِدَكُم نائمين. وما أَقولُه لَكم أَقولُه لِلنَّاسِ أَجمَعين: اِسهَروا».

الموعظة

يروى أن أباً كان يقف على موقف الباص. معه ولد صغير نائم في عربية الأطفال وإلى جانبه ابنه الأكبر يتحدث معه. وفجأة وصل أكثر من باص. فطلب الأب من أبنه أن يسأل السائق عن وجهة الباص وما أن وصل إليه حتى كان الباص قد غادر المحطة.

فعاد الطفل مباشرة إلى الوراء، وكانت المفاجأة أنه لم يرى والده. هذا الأخير بسبب توتره وغضبه كان قد صعد إلى الباص الآخر. وعندما لم يرى الطفل والده توتر وصار يصيح بكاءً.

فرأته فتاة شابة فأخذته بيده وأصعدته إلى الباص حيث يوجد والده. بالرغم من وجود عدد لا بأس به من الناس الذين ينتظرون الباص، ما من أحد غير هذه الفتاة لاحظ أي شيء. هذه الرواية العادية جداً، تعبّر عما يريد إنجيل اليوم أن يقوله لنا.

 إنه يدعونا لكي نفتح أعيننا، ونكون متيقظين. ولكن نفتح أعيننا على ماذا؟ في مخيلة الكثير من المسيحيين، هذا يعني أن نكون جاهزين لنهاية العالم، للدينونة وللقيامة، لعودة المسيح، أن نكون في حالة نعمة، أي في علاقة جيدة مع الله، وبالتالي نرث الملكوت.

هذه النظرة، أو هذا المفهوم للأمور، مع الأسف، تعيس جداً، وبرأي، يبعدنا عن جوهر رسالة الإنجيل. أولاً، من الممكن أن نموت جميعاً قبل مجيء الملكوت، ولكن خاصة، كيف يمكننا تطبيق هذا الكلام على كل من الذين سبقونا، وبشكل خاص على المسيح؟

يمكننا القول بأن يسوع عاش هذا السهر والتيقظ الذي يتحدث عنه إنجيل اليوم. فإن استطاع يسوع أن يعطي صدى لبشارة يوحنا المعمدان واعتماده على يده، واكتشف دعوة جديدة له، فهذا يعني أنه كان جاهزاً لاستقبال دعوة الحياة هذه حيث يتكلم الله: «هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا». بمعنى آخر لم يكن يسوع نائماً.

كيف استطاع أن يستقبل هذا العدد من الناس، من كل نوع، ومن كل أفق لو لم يكن «مستنفراً»، إن صح التعبير، وجاهزاً للإصغاء؟ من بين المحيطين فينا، هناك من لا يروا شيئاً، ولا يدركوا شيئاً، بينما آخرون هم كالستالايت، قادرين على قراءة المأساة في قلب الآخر حتى قبل أن يعبّر عنها.

هناك من نتحدث معهم مطولاً وبطرق مختلفة لمساعدتهم على أن يقوموا بالاختيار الأفضل، لكن مع الأسف يبقوا نيام. وهناك من، بمجرد أن نلمح لهم بالموضوع حتى يقوموا بقفزة تفاجئنا.

فالرهان هنا ليس سطحي، إنما من صميم الإنجيل. لأن اللحظة التي علينا أن نكون متيقظين وساهرين لها هي مجيء ابن الإنسان، آدم الجديد. الإنسان الجديد، المتجسد بالتأكيد في شخص يسوع، لكن عليه أن يتجسد في كل واحد وواحدة منّا.

هذا المجيء بدأ، إلاَّ إذا كنّا نيام. السؤال الذي طرحته على نفسي: ما هو العائق الأكبر لهذا السهر وتلك اليقظة؟ كلما طرحت هذا السؤال، كلما أتاني الجواب عينه: إنه الإيمان. الإيمان، ليس بمعنى الإيمان بوجود الله وبالقيامة.

إنما الإيمان الذي يسمح لنا بالقول بأننا محبوبين بدون شرط، وأن كل يوم، مع أحداثه وأشخاصه، هو كلمة موجهة لنا، وأن حياتنا ستنجح وأنها تهيئة بحد ذاتها للقاء الآتي إلينا، مصدر كل حب.

بدون هذا الإيمان، يصبح وجود الإنسان الغريب مصدر خوف، والآخرون يشكلون تهديداً، وقلقي يمنعني من الإصغاء لمن يتحدثون إليّ، والانفتاح على أحداث الحياة ولا أستطيع أن أكون متيقظاً.

إنجيل اليوم يستعمل صورة المعلم الذي سافر بعيداً. هذه هي حالتنا اليوم حيث لا يمكننا أن نرى ونلمس يسوع، لكن أُعطيت لنا مسؤولية رسالته. وعودته تتم بقدر ما نصبح، يوماً بعد يوم، الإنسان الجديد.

كل يوم يعطينا الفرصة لذلك، بقدر ما نعرف كيف ننظر ونكون ساهرين. كل ذلك يتطلب ثقة مطلقة في الحياة. «أَفي المَساء أَم في مُنتَصَفِ اللَّيل أَم عِندَ صِياحِ الدَّيك أَم في الصَّباح»، يقول الإنجيل.

بمعنى آخر، إنه عمل حياة بكاملها. هذا ما يريد أن يقوله لنا الإنجيل في بداية زمن التهيئة ونحن ننظر إلى المسيرة التي علينا أن نعيشها.

SHARE