موعظة يوم الأحد 13 كانون الثاني 2020: موعظة الأحد الثالث من زمن المجيء
أش 61، 1- 11 1 تس 5، 16-24 يو 1، 6- 28
«ظَهَرَ رَجُلٌ أَرسله الله، اسْمُه يوحنا. جاءَ شاهِدًا لِيَشهَدَ لِلنَّور فَيُؤمِنَ عن شَهادتِه جَميعُ النَّاس. لم يَكُنْ هو النُّور بل جاءَ لِيَشهَدَ لِلنُّور. وهذه شَهادَةُ يوحَنَّا، إِذ أَرسَلَ إِلَيه اليَهودُ مِن أُورَشَليمَ بَعضَ الكَهَنَةِ واللاَّوِيّينَ يَسأَلونَه: «مَن أَنتَ؟» فاعتَرفَ ولَم يُنكِرْ، اِعتَرَفَ: «لَستُ المسيح». فسأَلوه: «مَن أَنتَ إِذًا؟ أَأَنتَ إِيلِيَّا؟» قال: «لَستُ إِيَّاه». «أَأَنتَ النَّبِيّ؟» أَجابَ: «لا!» فقالوا له: «مَن أَنتَ فنَحمِلَ الجَوابَ إِلى الَّذينَ أَرسَلونا؟ ما قَولُك في نَفسِك!» قال: «أَنا صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: قَوِّموا طَريقَ الرَّبّ. كَما قالَ النَّبِيُّ أَشَعْيا». وكانَ المُرسَلونَ مِنَ الفِرِّيسِيِّين، فسَأَلوهُ أَيضًا: «إِذا لم تَكُنِ المسيحَ ولا إِيلِيَّا ولا النَّبِيّ، فلِمَ تُعَمِّدُ إِذًا؟» أَجابَهُم يوحَنَّا: «أَنا أُعَمِّدُ في الماء، وبَينَكم مَن لا تَعرِفونَه، ذاكَ الذي يَأتي بَعدِي، وَلَستُ أَهلاً لأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه». وجَرى ذلك في بَيتَ عَنْيا عِبْرَ الأُردُنّ، حَيثُ كانَ يوحَنَّا يُعَمِّد.»
الموعظة
النبي أشعيا، العذراء مريم وبولس الرسول، جميعهم تحدثوا عن فرح يسكنهم ويعبر وجودهم. فرح يأتي من الكلمة المُستقبلة، الكلمة التي آمنوا بها حتى قبل أن تتحقق وتتم. بالنسبة لأشعيا، هذا الفرح يعود لكون الله هو الذي أرسله ليعلن البشرى السارة للفقراء.
وبالنسبة لمريم مصدر هذا الفرح يكمن في أن الله نظر إلى تواضع أمته وصنع ويصنع بها العجائب. أمّا بالنسبة لبولس فهذا الفرح يعود لأمانة الله الذي يدعو جميع الناس وكل واحدّ منّا. إنها الكلمة التي تعبر من جيل إلى جيل وذلك منذ البدء.
أثر هذه الكلمة هو الفرح لدى من يستقبلها ويجعلها تعمل به، تجرّده وتعرّية. إنه فرح مُحرّر، فرح يسمح بالتقدم، فرح يجعل الإنسان يجتاز الجبال كما هو حال أشعيا النبي: «ما أَجمَلَ على الجِبالِ قَدَمَيِ المُبَشِّر المُخبِرِ بِالسَّلامِ المُبَشِّرِ بِالخَير المُخبِرِ بِالخَلاص» (52، 7).
أو يجول العالم بأسره لإعلان البشارة كما هي حال بولس الرسول (2 تيم 1). هذا الفرح يعرّي ويُجرّد الإنسان أيضاً لكي يستقبل أكثر فأكثر: لكي يحصل على غنى أكبر على مثال الرجل الذي اكتشف كنزاً في أرض فذهب فرحاً وباع كل ما يملك واشترى الأرض وكنزها (متى 13، 44). وهذا ما اختبرته مريم ورتلته: «أشبع الجياع خيراً والأغنياء أرسلهم فارغين».
ويوحنا المعمدان هو بالنسبة لنا تجسيد لهذا التجرد والتعري التام. تخلى عن كل غنى، وعاش في الصحراء، وكان يتغذى من الجراد والعسل البري، لم يكن سوى صوت، وصوت ينادي في البرية. هذا لا يعني أن إنسانيته صغرت أو ضعفت، ولا أن هويته نُكرت.
على العكس هذا دليل على أنه لا يوجد إلاَّ بسبب هذه الكلمة التي تحييه وتعبر من خلاله، كلمة يحملها ويعلنها بكل حرية. كالآلة الموسيقية التي لا وجود لها إلاَّ بفضل الصوت الذي تُعطيه. كالمزمار أو الناي الذي هو مجرد قضيب من خشب أو حديد، إن لم يُفرغ من الداخل يكون لدينا شيء يشبه الناي لكنه ليس بناي، إنه مجرد قضيب.
لذلك لا بد من تفريغه من الداخل لكي يستطيع النَفَس عبوره ويصدر الأصوات التي تميّزه وتجعل منه آلة موسيقية. إنجيل اليوم لا يتحدث بشكل مباشر وواضح عن فرح يوحنا المعمدان، لكننا نستطيع لمسه من بين ووراء الكلمات والسطور. إنه مُخبأ لكنه موجود، حاضر. إنه فرح الانتظار. دون أن ننسى بأنه ارتكض فرحاً في أحشاء أمه لدى سماعها لسلام مريم.
من منّا لم يختبر فرح الانتظار في المطار أو في محطة القطار أو الباصات، أتى ليبحث عن المحبوب المنتظر، يبحث عن وجهه من بين وجوه الواصلين؟ والفرح الذي يبدو على وجه المنتظَر عندما يلمح وجه من ينتظره.
ويوحنا المعمدان اختبر هذا الفرح الذي يعبر من خلاله. هذا الفرح يظهر بوضوح عندما يأتي المقربين منه ويطلبون رأيه في هذا الإنسان، يسوع، الذي تعمد على يده في نهر الأردن. وهو يجيب: «مَن كانَت لَه العَروس فهوَ العَريس. وأَمَّا صَديقُ العَريس الَّذي يَقِفُ يَستَمِعُ إِلَيه فإِنَّه يَفرَحُ أَشدَّ الفَرَحِ لِصَوتِ العَريس. فهُوذا فَرَحي قد تَمَّ» (يو 3، 29).
هذا الفرح يأتي من المسيح، والمسيح يقول لتلاميذه في نهاية الإنجيل: «قُلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً» (يو 15، 11). فقط المسيح قادر على أن يعطينا هذا الفرح الذي يحينا ويعطينا السعادة. فالمسيح نفسه هو هذا الفرح التام في حياتنا. ونحن نرتل: طوبى للمدعوين إلى وليمة الحمل.
ولكن فقط الذين تمت طهارتهم قادرون على استقبال هذا الفرح. فقط الذي يتركون أنفسهم تتطهر بالماء الذي صبّه المعمدان في نهر الأردن. هذا النهر الذي عبره شعب العهد القديم ليدخل في أرض الميعاد. هذا الماء الذي، بعد مقاومة قوية، قبل نعمان السوري أن يتقبلها بناء على طلب النبي أليشع فشفي من برصه (2 مل 5، 10).
ما هي هذه الماء التي تطهرني أنا اليوم؟ من أي شيء تطهرني وتجعلني أهلاً لاستقبال هذا الفرح؟ «أعدوا طريق الربّ واجعلوا سبله قويمة» يقول لنا المعمدان. هذا يعني أنه علينا أن نهيء الطريق ليستطيع يسوع أن يأتي إلينا بدون صعوبة.
علينا ألا نخاف أن نترك أنفسنا نتجرد ونُعرّى من قبل هذا الفرح. قد يكون هذا من خلال عيش سر المصالحة في هذه الفترة من السنة الطقسية: أضع نفسي بين يدي آخر لأفرغ أمامه أتجرد وأتعرى من كل ما يجعلني حزيناً ويأسرني في هذا الحزن.
أفرع نفسي كالمزمار أو الناي لكي يستطيع الروح القدس أن يسكنني ويعبر من خلالي. لأصبح ألة بين يدي الربّ فيستطيع أن يعزف فرحه، فرح الربّ من أجل جميع البشر.