موعظة يوم الأحد 7 شباط 2021. موعظة الأحد الخامس من الزمن العادي
أيوب 7، 1 – 7 1 قور 9، 16 – 19. 22 – 23 مر 1، 29 – 39
«لَمَّا خَرَجوا مِنَ المَجمَع، جاؤُوا إِلى بَيتِ سِمعانَ وأَندَراوس ومعَهم يَعقوبُ ويوحَنَّا. وكانَت حَماةُ سِمعانَ في الفِراشِ مَحمومة، فأَخَبَروه بأمرِها. فدنا مِنها فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها، ففارَقَتْها الحُمَّى، وأَخَذَت تَخدمُهُم. وعِندَ المَساء بَعدَ غُروبِ الشَّمْس، أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين. وَاحتَشَدَتِ المَدينةُ بِأَجمَعِها على الباب. فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين، ولَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم لأَنَّها عَرَفَتهُ. وقامَ قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً، فخَرجَ وذهَبَ إِلى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك. فَانَطَلَقَ سِمْعانُ وأَصْحابُه يَبحَثونَ عَنه، فوَجَدوه. وقالوا له: جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ. فقالَ لَهم: لِنَذهَبْ إِلى مَكانٍ آخَر، إِلى القُرى المُجاوِرَة، لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً، فَإِنِّي لِهذا خَرَجْت. وسارَ في الجَليلِ كُلِّه، يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم ويَطرُدُ الشَّياطين.»
الموعظة
ما العلاقة بين رسالة بولس التي سمعناها ونص الإنجيل؟ الإنجيل يقول أنه بعد أن طرد الروح النجس من رجل في المجمع، ذهب إلى بت سمعان حيث بناء على طلب الحاضرين شفى حماة بطرس المريضة. ثم أتوه بجميع المرضى والممسوسين فطرد كثيراً من الشياطين ولم يدعها تتكلم، لأنها كانت تعرف من هو.
فقام عند الفجر، ودون معرفة التلاميذ، ذهب إلى مكن قفر وأخذ يصلي هناك. وفي الصباح بدأ التلاميذ يبحثون، وعندما راؤوه قالوا له: جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ. فقالَ لَهم: لِنَذهَبْ إِلى مَكانٍ آخَر، إِلى القُرى المُجاوِرَة، لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً، فَإِنِّي لِهذا خَرَجْت. لا يتكلم الإنجيل عن شفقة أو عن علاقة حميمة مع حماة بطرس.
فإذا شفى حماة بطرس فلأنه طُلب منه ذلك. وإذا رفض أن يتكلم من شفتهم فلكيلا تشوه هويته، فهويته الحقيقية لن تُكشف إلآَّ على الصليب وبالقيامة. فالعبارات التي يستعملها الناس بخصوصه هي عبارات غامضة وغالباً تُغلق على يسوع بصفات قد تكون هدامة لما هو عليه بالعمق، حتى ولو كانت هذه العبارات «نبيلة»: ابن الله أو المسيح، لأن هذه الصفات تميل لتجميد الشخص داخل مفاهيم نعتقد أنها معروفة.
مثلاً، عندما يتم تعيين شخص بمسؤولية معينة، تعتقد الناس أنها تعرف مسبقاً ما عليه القيام به. إنجيل اليوم بسيط جداً لكنه يوضح لنا بعض أوجه شخصيته وعمله. فالمسيح يبدو أنه مأخوذ كلية بالواقع والملح والوشيك للملكوت: «تم الزمان وقد اقترب الملكوت فتوبوا وآمنوا بالبشارة» وحر في الوقت نفسه بوقته وعمله.
من أجل إعلان الملكوت يترك مكان عماده فور إلقاء القبض على هذا الأخير, فالنبأ مثير لدرجة أنه لا يسمح له بأن يضيّع ولو للحظة واحدة. بعد يوم كامل في كفرناحوم حيث أُعجب الناس به، لم يترك الليل ينتهي حتى يذهب إلى مكان قفر ليصلي.
في هذه العزلة يستقبل إرادة أبيه، مصدر رسالته وفي نفس الوقت يأخذ البعد اللازم عن كل ما يشكل يومه من نشاط مكثف. نتيجة هذا البعد واستقباله لإرادة أبيه في العزلة يدعو تلاميذه للذهاب إلى مكان آخر، إلى القرى المجاورة. فالإنجيل لا ينتظر أبداً ويسوع لا يتأخر.
لا يتأخر لكنه لا يبدو أنه مستعجل، يبدو أن لديه دائماً المتسع من الوقت، لا يضع برنامجاً ولا مخطط لعمله الرسولي والأيام غير مبرمجة إنما من خلال اللقاءات التي تظهر على الساحة فالأكثر ضرورة هي نداءات المرضى. فهو لا يبعدها حتى ولو عرقلة طريقه.
يتبع يائير حيث ابنته تنازع، وعندما يشعر بحضور امرأة نازفة، وبالرغم من قلق الأب، يتوقف ليراها ويتحدث معها. وبتابع بخطى هادئة. يتصرف لأن الناس يضعون ثقتهم وأملهم فيه وفي نفس الوقت يرفض أن يثبته هذا العمل في دور محدد.
فإذا كانت أعمال يسوع تتحكم فيها الظروف وتنتهي باللقاء الشخصي في الإيمان نفهم أنه من الصعب أن نجد فيها تحقيق مخطط لعمله وأن نلمس ونحدد نية معينة موجودة وراءه. فثقة الناس بيسوع وعدم تحمله لشقاء الناس فهو يشفي. ثقة الناس وشقاء الناس تتنزع منه المعجزات والشفاءات.
مستمعاً إلى كل هذه الصرخات التي لا يمكن سمعها إلى بالقلب يذهب إلى مكان آخر، إلى القرى المجاورة. دائماً في تنقل، فر حركة مستمرة يصغي ويبحث دائماً ومهما بدا الأمر متناقضاً، إلاَّ أن عمله ينبع من صلاته. وهنا يكمن الفرق.
عندما نقوم بعمل ما، ممكن أن نقوم به بسبب الظروف، أو السعي لتحقيق تقدم ما ولمنافع شخصية، أو للبحث عن منفعة مينة، لترقية معينة، أو لتصفية حسابات معينة، أو على العكس، ممكن أن نجيب على الطلبات الملحة، وأن نعطي كثيراً لأنه أُعطي لنا كثيراً.
نتصرف لأن الحب يدعونا، لكن عندما يكون لهدف هو تقدمنا وتصفية حساباتنا، نقع في الصنمية فنتصلب ويتصلب ادراكنا للواقع، فنصبح كالأصنام حيث لا يمكن للحياة أن تعبر. ويسوع يقول لتلاميذه: «لا تَفرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخضَعُ لَكُم، بلِ افرَحوا بِأَنَّ أَسماءَكُم مَكْتوبَةٌ في السَّموات» (لو 10، 20)، أي افرحوا قبل كل شيء لكون روح الله يكشف عن ذاته من خلالكم.
فالسؤال المطروح علينا اليوم: هل من الممكن أن تنطلق أعمالنا من هذا المصدر العميق للحياة، من الله؟ أعتقد هنا يأتي دور الصلاة. هذه الصلاة التي تسمح لي بالتخلي عن بعض الأمور للذهاب إلى مكان آخر. هذه الصلاة هي التي دفعت القديس بولس ليكتب ما سمعناه في رسالة اليوم: «فإِذا بَشَّرتُ، فلَيسَ في ذلك لي مَفخَرَة، لأَنَّها فَريضةٌ لا بُدَّ لي مِنها، والوَيلُ لي إِن لم أبَشِّر». فلنطلب من الله أن يعطينا روحه القدوس لتكون حياتنا شهادة وتبشيراً للكلمة، كلمة الحياة.