الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 28 شباط 2021

2021-Feb-28 | عظات | 574

تك 22، 1 – 18     رو 8، 31 – 34     مر 9، 2 – 10

 

«في ذلك الزَّمان: مضى يسوعُ بِبُطرُسَ ويعقوبَ ويوحَنَّا فانفَرَدَ بِهِم وَحدَهم على جَبَلٍ عالٍ، وتَجَلَّى بِمَرأَى منهم.  فَتَلألأَت ثِيابُه ناصِعَةَ البَياض، حتَّى لَيَعجِزُ أَيُّ قَصَّارٍ في الأَرضِ أَن يأَتِيَ بمِثلِ بَياضِها.  وَتَراءى لَهم إِيليَّا مع موسى، وَكانا يُكَلِّمانِ يَسوع.  فخاطَبَ بُطرُسُ يسوعَ قال: «رابِّي، حَسَنٌ أَن نَكونَ ههُنا. فلَو نَصَبْنا ثَلاثَ خِيَمٍ، واحِدَةً لَكَ، وواحِدةً لِموسى، وواحِدَةً لإِيلِيَّا». فلم يَكُن يَدْري ماذا يَقول، لِما استَولى علَيهِم مِنَ الخَوف. وإِذا غَمامٌ قد ظَلَّلَهم، وانطَلَقَ صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يَقول: «هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيب، فلَهُ اسمَعوا». فأَجالوا الطَّرْفَ فَوْرًا في ما حَولَهم، فلَم يَرَوا معَهم إِلاَّ يسوعَ وَحدَه. وبَينَما هم نازِلونَ مِنَ الجَبَل أَوصاهم أَلاَّ يُخبِروا أَحدًا بِما رَأَوا، إِلاَّ متى قامَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات».

الموعظة

عملياً، حدث التجلّي يأتي في منتصف الإنجيل، منتصف حياة يسوع. لماذا؟ على ما يبدو أنه منذ اختيار يسوع لتلاميذه، وهم يعيشون في وهمين. الأول وهم يسوع المحرّر السياسي، الذي سيعيد الملك لإسرائيل، هذا الوهم استمر حتى ما بعد القيامة: «كنّا نرجو أنه هو الذي سيفتدي إسرائيل» يقول تلميذي عمّاوس للقائم من بين الأموات.

 «يا ربّ، أفي هذا الزمن تُعيد الملك لإسرائيل»، يسأل التلاميذ يسوع في لحظة صعوده إلى السماء. والوهم الثاني هو الاعتقاد بأنه أتى لبناء عالم يخلو من كل ما هو سلبي وسيء، عالم خارج الواقع الذي يعيشون فيه، عالم عجائبي.

ولهذا السبب، قبل التجلّي، يسأل يسوع تلاميذه من أنا في قولكم أنتم؟ وبطرس يجيب: «أنت المسيح ابن الله الحي» (متى 15 - 16). مباشرة بعد جواب بطرس يُعلن يسوع للمرّة الأولى عن آلامه، فيعترض بطرس، ممّا جعل يسوع ينعته بالشيطان: «انسحب ورائي، يا شيطان، فأنت لي حجر عثرة، لأنَّ أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار البشر» (متى 16، 23).

 ثم يأتي حدث الجلّي ليكشف، من جهة، الهوية الحقيقية ليسوع، كمتمّم للعهد القديم وهذا هو معنى وجود كل من موسى وإيليا، الذين يمثلون الشريعة والأنبياء. ومن جهة أُخرى ليُخرجهم من هذه الأوهام ويعيدهم إلى الواقع، هذا الواقع الذي أتى إليه يسوع ليعيش فيه ويأخذه على عاتقه ويكشف لنا معناه الحقيقي. أليس هذا هو حالنا اليوم وفي الماضي؟

 أليس هذا هو حال البشرية؟ ألا نحلم دائماً بعالم خالي من كل ألم وشر؟ ألا نتساءل دائماً، لماذا الشر؟ ولماذا يدع الله الشر يعمل في العالم؟ يسوع يريد تحرير تلاميذه من هذا الوهم، كما يريد تحريرنا من الأوهام عينها، لكن بحريتنا.

 وهذا هو معنى طلب بطرس بأن ينصب الخيام. إنه يريد الاستقرار في هذا العالم الوهمي، الافتراضي كما نقول بلغة اليوم. وفي نهاية الرواية لم يبقى سوى يسوع وحده. وحده لكونه يُلخّص مجمل العهد القديم، فلم يعد لوجود موسى وإيليا من معنى. لوحده، أي يسوع كل يوم، يسوع الواقع الذي نعيش ويعيش هو فيه. ونزولهم من الجبل هو تعبير عن بداية خروجهم من هذه الأوهام.

 «وإذا صوت من الغمامة يقول: هذا هو ابني الحبيب، الذي به سررت؛ فاسمعوا له». يقول النص. أي أنه مهما يحدث ليسوع، بما فيه آلامه، يبقى الابن الحبيب، ونحن أيضاً، مهما يحدث لنا، نبقى أبناء الله المحبوبين منه بدون قيد أو شرط.

 أمام هذا الحدث يقول الإنجيلي متى بأن التلاميذ سقطوا على وجههم، وخافوا جدا. ويسوع يقول لهم: «انهضوا، لا تخافوا». الخوف هو عكس الإيمان، وهو الذي يمنعنا من قبول ومواجهة الواقع. يمنعنا من أن نثق بأن الله معنا في ظلماتنا وشدائدنا. فنهرب إلى عالمنا الخيالي، الافتراضي.

 في النهاية حدث التجلي يقول لنا بأننا مدعوين وموعودين بأن تتجلّى حياتنا على مثال يسوع كما يقول بولس الرسول: «فنَحنُ اليومَ نَرى في مِرآةٍ رُؤَيةً مُلتَبِسة، (....) وأَمَّا في ذلك اليَوم فسَأَعرِفُ مِثْلَما أَنا مَعْروف» (1 قور 13، 12).

هذا يعني أن حياة كل واحد وواحدة منّا مدعوة للتجلّي بفعل حب الله القادر على أن ينير وجودنا بكل ما فيه جسداً وروحاً لكن أيضاً علاقاتنا وأنشطتنا، وخاصة ما نريد أن ننساه: ظلمات حياتنا.

أخيراً، حدث التجلي يكشف حقيقة الإنسان وحقيقة الله. حقيقة الإنسان على أنه مسحوق من قبل عنفه؛ وحقيقة الله على أنه الحب الذي يبعث من الموت حياة جديدة، يبعث كل نور.

حتى عندما نكون فريسة أسوأ الآلام، هذه الآلام التي هي بمثابة مقدمة لموتنا وتتعارض مع إرادة الله، نبقى أبناء الله المحبوبين، الموعودين بالنور على خطى المسيح. في النهاية، نحن في حالة التلاميذ عندما يتسلقون جبل التجلي. وما علينا إلاَّ أن نثق بحب الله لننتقل من الوهم إلى الواقع.

SHARE