الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 18 آب 2024. موعظة الأحد العشرين من الزمن العادي

2024-Aug-18 | عظات | 257

أمثال 9، 1 – 6     أف 5، 15 – 20   يو 6، 51 – 58  

 

«أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم. فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً وقالوا: كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه ؟ فقالَ لَهم يسوع: الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة. مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه. وكما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي. هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد».

الموعظة

أن نأكل ونشرب جسد ودم المسيح، أمر غريب! لكننا لم نعد نفكر في الأمر، لقد اعتدنا عليه. فإذا تخيلنا أن عالم أنثروبولوجيا غير مسيحي يأتي من بعيد لدراسة هذه المجموعة من المسيحيين الممارسين، سيكون لديه أشياء يجب أن يلاحظها! أول شيء: الطقس المسيحي يعمل بشكل عكسي. عادة، في الأديان، البشر هم الذين يطعمون الآلهة لإرضائها، لإشباعها، لتهدئة جوعها وغضبها. وهكذا يعتقدون أنهم «سينسجمون بشكل جيد» معها: فعندما يقدمون التقادم لها يمكنهم أن يأملوا بأن ترد الجميل، في شكل صحة جيدة، ومحاصيل وفيرة، ونجاح في أعمالنا، الخ.

هذا ما كان عليه الأمر! فهل هو مجرد أمر من الماضي، طريقة تصور علاقاتنا مع الألوهة؟ إله الكتاب المقدس مختلف. وهو أول من اعتنى بشعبه وأطعمه عندما كان تائهاً في الصحراء (خر 16: رواية المن). ولم يتردد في القول بصوت أنبيائه إن الذبائح ليست ما كان ينتظره، خاصة عندما يكون هدفها تغطية شر مرتكب في مكان آخر: «ما فائِدَتي مِن كَثرَةِ ذَبائِحِكم يَقولُ الرَّبّ؟ قد شَبِعتُ مِن مُحرَقاتِ الكِباش ... وأَصبَحَ دَمُ الثِّيرانِ والحُمْلانِ والتُّيوسِ لا يُرْضيني. كُفُّوا عنِ الإِساءَة. التمسوا الحق.

إِن شِئتُم أَن تَسمَعوا فإِنَّكم تأكُلونَ طَيِّباتِ الأَرض وإِن أَبَيتُم وتَمَرَّدتُم فالسَّيفُ يأكُلُكم» (أش 1، 11 - 20).  هذا النص من النبي أشعيا يُظهر من ناحية أن الله لا يدخل في لعبة مواهبنا عندما تكون  في خدمة مصلحة ما. ومن ناحية أخرى، يأخذ الله مسألة تناول الطعام على محمل الجد، موضوع مهم للغاية في وقت تعتمد فيه الشعوب، في معيشتها، على الظروف المناخية والسلام مع الجيران: «إِن شِئتُم أَن تَسمَعوا ـــــ بمعنى آخر، إذا كنت الله حقًا بنظركم ومن أجلكم ـــــ فسوف تأكلون طيبات الأرض».

وبعد ذلك، يتناول النص الخيال أو الهوام الذي لا يزال يسكننا: الخوف من أن نؤكل. ليست قصص الأطفال وحدها هي التي تشهد على ذلك. من بين أسوأ كوابيسنا هو التحول إلى طعام لأحد أشكال الوحوش. في عشية آلامه، توقع يسوع ما كان يخشاه الجميع: فقدم ذاته لتلاميذه خبزًا ليأكل وخمرًا ليشرب، بما فيهم يهوذا الذي كان مزمعًا أن يسلمه، وبطرس، من سينكره، ولكثيرين من بينهم الجلادين. وبذلك، قلب يسوع العنف رأساً على عقب، والذي كان الهدف منه تحويل يسوع إلى حالة أقل من لا شيء.

وخاصة يهدف إلى إسكاته، ومحو كل الكلمات التي قالها، ومحوه بالكامل من التاريخ. بالمقابل، يقدم يسوع ذاته، ويقدم نفسه كشيء، مثل الخبز والنبيذ. لكن قبل كل شيء، كان العنف يريد الصمت. الآن، يسوع، من خلال بذل جسده ودمه مسبقاً، يجعل هذا الخبز وهذا النبيذ يتكلمون، ونحن نعلم إلى أي درجة! إنه يجعلهما جواباً مذهلاً لعنفنا. ولن يكون ذلك إلا مناسبة لهذه الكلمة السامية: «هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم. هذا هو دمي، دم العهد الجديد الذي يهراق من أجل كثيرين».

هذا هو كل ما يُعطى لنا في الإفخارستية. لدينا موعد مع يسوع الفصح، والموت والقيامة، الذي يقدم نفسه طعامًا، ويلخص في لفتة ما لم يتوقف أبدًا عن قوله وعيشه: الوجود المستسلم، الذي يقدم نفسه من أجل شفائنا والذي، في هذه اللفتة، يسلم ذاته. بدأت التعقيدات في العلاقة بين الله والإنسان بمسألة الأكل: «فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ»، تقول الحية (تك 3: 5). في الواقع، من المغري للغاية الاعتقاد بأن شيئًا ما سحري بطريقة ما سيوفر الحل لجميع أسئلتنا. فقمنا منذ ذلك الحين بالتأكيد بتحسين أغراضنا السحريةـ التي تبهرنا بنفس القدر. ونحن نلتهمها أيضًا. هنا، سيبحث عنا المسيح، فيقدم الأشياء والخبز والنبيذ.

لكن ليس لديهم أي شيء سحري، أي لا يمنحهم أي قوة خاصة، ولا يفعلون شيئًا دون موافقتنا، دون حريتنا. يطلب منا فقط أن ندرك الحضور الحقيقي للمسيح فيها. والإفخارستيا هي أيضًا تربية النظر. من المعروف أن الأكل والشرب معًا يرمزان إلى روابط قوية بين المشاركين أو يخلقا روابط جديدة. إن تناول الطعام مع الآخرين يفترض في المقام الأول الثقة ـــــ ليس من السهل قبول تلقي الطعام الذي يعده الغرباء ـــــ ومن ثم فهو وقت سعيد من المتعة، ولكن أيضًا من المشاركة.

في حالة المائدة الإفخارستية، يتم تقديم كسرة خبز للمشاركين وهي جسد المسيح. هذا يعني أنه من الآن فصاعدًا، لن يوجد جسد المسيح على الصينية ولكن في هذه الجماعة. فالجماعة هي جسد المسيح. نقول في صلاة الإفخارستية الثالثة: «أَنعِمْ علينا، نحن الذين نتغذَّى بجسد ابنِكَ ودمِه، بأَن نمتلئَ بروحِه القدّوس، فنكونَ جسداً واحداً وقلباً واحداً في الـمسيح». فالإفخارستيا إذن هي المائدة التي يُعطى فيها جسد المسيح، دون أن ننسى أن جسده هو كلمته، أي الكتاب المقدس، والمؤمنون مدعوون لأن يصبحوا جسد المسيح.

وهذا أمر غير مريح. لأن هذا الجسد هو قبل كل شيء جسد مُسلَّم. والمسيحيون يجدون أنفسهم في وضعية المسيح: تلك التي تتمثل في المخاطرة بأنفسهم من أجل الآخرين، بشكل جذري. وهذا ما يجب أن نسمعه عندما يرسلنا الكاهن: «اذهبوا بسلام المسيح!». سلام المسيح هو ما نجده عندما نصبح طعاماً للآخرين.

SHARE