الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 20 تشرين الأول 2024. موعظة الأحد التاسع والعشرين من الزمن العادي

2024-Oct-20 | عظات | 227

أش 53، 10 – 11   عب 4، 14 – 16    مر 10، 35 – 54  

 

«ودَنا إِلَيه يَعقوبُ ويوحَنَّا ابنا زَبَدى، فقالا له: "يا مُعَلِّم، نُريدُ أَن تَصنَعَ لَنا ما نَسأَلُكَ". فقالَ لَهما: ماذا تُريدانِ أَن أَصنَعَ لكما؟ قالا لهُ: امنَحْنا أَن يَجلِسَ أَحَدُنا عن يَمينِك، والآخَرُ عَن شِمالِكَ في مَجدِكَ. فقالَ لَهما يسوع: إِنَّكُما لا تَعلَمانِ ما تَسألان. أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا الكأسَ الَّتي سأَشرَبُها، أَو تَقبَلا المَعمودِيَّةَ الَّتي سَأَقبَلُها ؟ فقالا له: "نَستَطيع". فقالَ لَهما يسوع: "إِن الكأَسَ الَّتي أَشرَبُها سَوفَ تَشرَبانِها، والمَعمودِيَّةِ الَّتي أَقبَلُها سَوفَ تَقبَلانِها. أَمَّا الجُلوسُ عن يَميني أَو شِمالي، فلَيسَ لي أَن أَمنَحَه، وإِنَّما هُوَ لِلَّذينَ أُعِدَّ لهم". فلمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ ذلكَ الكَلامَ اسْتاؤُوا مِن يَعقوبَ ويوحَنَّا فدَعاهم يسوعُ وقالَ لَهم: "تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها. فلَيسَ الأَمرُ فيكم كذلِكَ. بل مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً. ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً. لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس».

 

الموعظة

بتقديم ذاته ابن الإنسان وبتحدثه عن نفسه بالشخص الغائب، يريد يسوع أن يقول إنه بطريقة ما هو أكثر من ذاته، أكثر ممّا نرى فيه. في الواقع «يدخل في شخصية ابن الإنسان»، وهذه الشخصية لها برنامج عليها إتمامه، وأعمال للقيام بها، مكتوبة في الكتاب. يسوع يخضع للكتاب ويقوده إلى نهايته، يتممه. ابن الإنسان، أتى من أجل دينونة نهاية الأزمنة. مع يسوع، «تمت الأزمنة» ولكن «الحكم على العالم» سيصبح الحكم عليه من قبل العالم ليخلّص العالم.

هذا هو إطار إنجيل اليوم، مع إعلان الآلام الذي يعطي معنى لمجمل النص. في إنجيل متى، اليمين واليسار «مُستقطبين»، أي أن هناك جهة جيدة وأخرى سيئة. ومن جهة أخرى، نجد غالباً العبارة «على اليمين وعلى اليسار» للتعبير ببساطة عن كل الجهات. مثلاً، لا تنحرف لا على اليمين ولا على اليسار. في إنجيل اليوم، الموضوع هو أماكن الشرف. وكلمة الجلوس تدعونا للتفكير، بالإضافة إلى بروتوكول المائدة، بطقس الحكم «تَجلِسونَ على العُروشِ لِتَدينوا أَسْباطَ إِسرائيلَ الاِثْنَي عَشَر» يقول يسوع للتلاميذ (لو 22، 30).

والتعبير في مجدك يُثبّت هذا الأمر ويُرسل إلى الحاكم الآخيري. اليمين واليسار هما أماكن مساعدي الحاكم. والاستعمال الآخر والوحيد للتعبير على اليمين واليسار في إنجيل مرقس، وبنفس المعنى لدى الإنجيلي متى: «صلبوا معه لصين، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله». إنها الكلمات عينها في نص اليوم. هذا يدعو للتفكير، خصوصاً أن عبارتي «شرب الكأس» و «تقبل المعمودية» هما تلميح واضح وأكيد للآلام.

فبالنتيجة، التعبير «الجلوس عن يميني وعن شمالي هو للذين أعد لهم»، المقصود هنا هم اللصين، اللذين سيكونوا مساعدي ابن الإنسان في مهمته كحاكم لنهاية الأزمنة. في إنجيل يوحنا يقول يسوع: «الَيومَ دَينونَةُ هذا العالَم. اليَومَ يُطرَدُ سَيِّدُ هذا العالَمِ إِلى الخارِج» (12، 31). اليوم أو بالأحرى الآن تشير إلى الساعة التي من أجلها أتى يسوع إلى العالم. والصليب هو أيضاً عرش المجد، عرش الحكم. بصلبه ليسوع، يحكم العالم على نفسه. وعلى الصليب تظهر بقوة براءة البار المضطهد.

ولكن، لماذا حضور اللصين في مكان المساعدين للحاكم؟ بدون شك ليبينوا لنا أن كل أحكامنا، وكل اضطهاداتنا، هم شاذين: لا يمكننا أن نحكم لأننا جميعاً مذنبين. فصلب اللصوص، هو أيضاً صلب للمسيح. وبالتالي حكم الإدانة هذا الموجه ضد أخينا المذنب يديننا نحن أيضاً. إنه حكم قساوة العالم. «لا تدينوا لئلا تدانوا». هذا التعبير يشهد لتفكير المسيحيين الأوائل. وابن الإنسان لا يمكنه ممارسة حكمه المخلص للعالم إلاَّ إذا أخذ مكان ضحايا عدلنا المشبوه، والمشكوك بأمره.

هكذا تصبح ضحايانا حكامنا ولصوصنا يجدون أنفسهم «الواحد على اليمين والآخر على اليسار». بالطبع، علينا أن نخفف من هذا المعنى. مثلاً، المسيح يحرّر، يخلّص، البشر المذنبين ولكنه يدين تصرفاتهم الشاذة. هناك إذن بعد قائم بين الإنسان نفسه وبين أعماله: لا يُحدّد الإنسان بخطيئته، إنما بالعدل الذي يعطيه المسيح. باختصار، يمكننا أن ندين عمل ما دون أن ندين مرتكبه.

والآيات «تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها. فلَيسَ الأَمرُ فيكم كذلِك. بل مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً. ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً. لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس»، تُدخلنا في منظور مختلف إلى حد ما، إنه منظور السلطة الملكية، المرتبطة بالمناسبة، بسلطة الديان. فبعد أن كشف تفاهة ادعائنا بالبراءة، يهدم يسوع ادعائنا في التسلط.

SHARE