الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 17 تشرين الثاني. موعظة الأحد الثالث والثلاثين من الزمن العادي

2024-Nov-17 | عظات | 214

دا 12، 1 – 3    عب 10، 11 – 14. 18      مر 13، 24 – 32  

 

«وفي تلكَ الأَيَّامِ بَعدَ هذهِ الشِّدَّة، تُظلِمُ الشَّمسُ والقَمَرُ لا يُرسِلُ ضوؤه، وتَتَساقَطُ النُّجومُ مِنَ السَّماء، وتَتَزَعزَعُ القُوَّاتُ في السَّموات. وحينَئذٍ يَرى النَّاسُ ابنَ الإِنسانِ آتِيًا في الغَمام في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال. وحينَئذٍ يُرسِلُ مَلائكَتَه ويَجمَعُ الَّذينَ اختارَهم مِن جِهاتِ الرِّياحِ الأَربَع، مِن أَقْصى الأَرضِ إِلى أَقْصى السَّماء. مِنَ التِّينَةِ خُذوا العِبرَة: فإِذا لانَت أَغْصانُها ونَبَتَت أَوراقُها، عَلِمتُم أَنَّ الصَّيفَ قَريب. وكذلكَ أَنتُم إِذا رأَيتُم هذهِ الأُمورَ تَحدُث، فَاعلَموا أَنَّ ابنَ الإِنسانِ قَريبٌ على الأَبواب. الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ هذا الجيل حتَّى تَحُدثَ هذه الأُمورُ كُلُّها. السَّماءُ والأَرضُ تزولانِ وكَلامي لن يزول. وأَمَّا ذلكَ اليومُ أَو تِلكَ السَّاعة فما مِن أَحَدٍ يَعلَمُها: لا المَلائكةُ في السَّماء، ولا الِابنُ، إِلاَّ الآب.»

الموعظة

الإنجيل الذي سمعناه هو جزء من الفصل 13 من إنجيل مرقس. والفصل بكامله مكتوب بنفس الأسلوب، الأسلوب الرؤيوي، أي الوحي أو الكشف.  نص يخيفنا بشكل عام ويصعب علينا فهمه بسهولة ووضوح مما يدفع غالبية المسيحيين على الاعتقاد بأنه يحدثنا عن نهاية العالم «فستَقومُ أُمَّةٌ على أُمَّة، ومَملَكَةٌ على مَملَكَة، وتَحدُثُ زَلازِلُ في أَماكِنَ كَثيرة، وتَحدُثُ مَجاعات، وهٰذا بَدْءُ المَخاض».

يسوع لا يحدثنا عن نهاية العالم التي، حتى يسوع نفسه لا يعلم متى وكيف ستحدث: «وأَمَّا ٰذلكَ اليومُ أو تِلكَ السَّاعة فما مِن أَحَدٍ يَعلَمُهما: لا المَلائِكَةُ في السَّماء، ولا الِٱبنُ، إِلَّا الآب». يسوع يحدثنا عن مجيء ابن الإنسان، عن ولادة «أرض جديدة وسماء جديدة». مما يعني أن الأسلوب الرؤيوي ليس بلغز علينا فك شيفرته، بل هو كشف لما يحدث في الواقع وذلك منذ بدء الخليقة: الحروب، الزلازل، واليوم الانحباس الحراري وخطر الدمار النووي، الخ. الأسلوب الرؤيوي يكشف لنا معنى هذه الأحداث.

وهذا المعنى علينا نحن أن نكتشفه نحن وهذا هو معنى نص التينة حيث يقول لنا يسوع «مِنَ التِّينَةِ خُذوا العِبرَة: فإِذا لانَت أَغْصانُها ونَبَتَت أَوراقُها عَلِمتُم أَنَّ الصَّيفَ قَريب وكذٰلكَ أَنتُم إِذا رأَيتُم هٰذهِ الأُمورَ تَحدُث، فأعلموا أَنَّ ٱبنَ الإِنسانِ قَريبٌ على الأَبواب». وهذا ما يسميه يسوع قراءة علامات الأزمنة. فما هو المعنى الذي يريد أن يكشفه لنا يسوع من خلال هذه النص؟ في الفصل الخامس لدينا رواية غريبة: يسوع يلتقي برَجُلٌ فيه روحٌ نَجِسٌ كانَ يُقيمُ في القُبور، ولا يَقدِرُ أَحدٌ أَن يَضبِطَه حتَّى بِسِلسِلة.

ويطلب من يسوع السماح له بالدخول في قطيع الخنازير. ولدى دخوله في القطيع يرمي القطيع ذاته في الجرف ويموت. الغريب هنا هو أن يسوع الذي يطرد الأرواح الشريرة نراه يخضع إن صح التعبير لرغبة الروح الشرير. لماذا؟ عمل يسوع يهدف دائمًا إلى تحقيق هدفين: يخلص ويكشف. بإنقاذ الممسوس، يخلص. بقبول طلب الشياطين، يكشف. ولكن في حين أن ما يكشفه يسوع عادة هو، الله، ورحمته، وقربه، فإن ما يكشفه لنا هذه المرة هو طبيعة الشر.

ومن خلال السماح له بالذهاب إلى نهاية منطقه، يُظهر لنا المسيح إلى أين يقود الشر. ففي حياة الممسوس، أدى ذلك بالفعل إلى التهميش والتشويه المروعين. وفي حالة الخنازير يؤدي إلى الانتحار الجماعي. تحت مظهر خارجي غير عادي وحتى فولكلوري، تكشف هذه الرواية الوجه الحقيقي للشر. بالتأكيد، من الصعب نبذ الشر طالما لم ندرك طبيعته التدميرية العميقة.

نكوِّن بسهولة كبيرة فكرة خاطئة عن الخطيئة. فنحن نربطها تلقائيًا بالتمتع بلذة محظورة، أو... ونحن نعلم كيف أن خرق القانون يجعل الشيء جذابا ومرغوبا، خاصة عندما نفترض أن هذا المنع تعسفي. إن هذا الفهم للخطيئة، وهو فهم طفولي إلى حد كبير، يتجاهل النقطة الأساسية عندما يتحدث عن الشر: الشر مؤلم. فهو ليس مجرد أمر محظور، ولكنه قبل كل شيء مدمر. لا بل هو محظور لأنه مدمر.

فالخطيئة هي رفض السماح لأنفسنا بأن نكون محبوبين، الأمر الذي يتحول إلى عنف ضد الذات أو ضد الآخرين. إذا كان العيش مع الشر هو سمة البشرية منذ آدم وحواء، فإن عصرنا يبرز عند نقطة واحدة: لقد وصلنا جميعًا معًا إلى حافة الهاوية. لقد كانت الخطيئة دائمًا مدمرة، لكن هذه المرة، نحن قادرون على إبادة أنفسنا جميعًا. إن الرغبة في السيطرة على أقراننا ليست بالأمر الجديد؛ لكن الجديد هو أن هذه الرغبة تمكنت بصبر من بناء الأدوات اللازمة لتعبئة المجتمعات لتمكين الحروب الشاملة، مما يؤدي إلى الدمار الشامل، والذي لا تمثل الكارثة النووية سوى النتيجة الحتمية.

ولكن علينا أن نميز بين عقاب الخطيئة وعواقب الخطيئة. فإن ما يحدث حالياً في العالم هو من عواقب الخطيئة وليس عقاب الله لنا على خطايانا. ففي داخل كل واحد وواحدة منا، المعركة الأخروية جارية بالفعل، بعنفها وشكوكها: هي التي تعمل في تشنجات أنانيتنا وفي رغبتنا في عمل الخير، في ولائنا ونفاذ صبرنا. وفي هذا الصراع، فإن الانتصار يعني قبل كل شيء القبول بأن النصر قد تم تحقيقه بالفعل، ليس من خلال جهودنا، ولكن من خلال الحب اللامتناهي الذي يظهر في صليب يسوع والذي يجب أن نسمح له، شيئًا فشيئًا، أن يدخل في حياتنا الخاصة.

 

SHARE