الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 2 شباط 2025. موعظة عيد تقدة يسوع إلى الهيكل

2025-Feb-02 | عظات | 209

تك 15، 1 – 6؛ 21، 1 – 3    عب 11، 8– 19      لو 2، 22 – 40

 «لمَّا حانَ يَومُ طُهورِ أَبَوَيّ يسوع بِحَسَبِ شَريعَةِ موسى، صَعِدا بِه إِلى أُورَشَليم لِيُقَرِّباه لِلرَّبّ، كما كُتِبَ في شَريعةِ الرَّبِّ مِن أَنَّ كُلَّ بِكرٍ ذَكَرٍ يُنذَرُ لِلرَّبّ، ولِيُقَرِّبا كما وَرَدَ في شَريعَةِ الرَّبّ: زَوْجَيْ يَمَامٍ أَو فَرخَيْ حَمام. وكانَ في أُورَشَليمَ رَجُلٌ بارٌّ تَقيٌّ اسمُه سِمعان، يَنتَظرُ الفَرَجَ لإِسرائيل، والرُّوحُ القُدُسُ نازِلٌ علَيه. وكانَ الرُّوحُ القُدُسُ قد أَوحى إِلَيه أَنَّه لا يَرى الموتَ قَبلَ أَن يُعايِنَ مَسيحَ الرَّبّ. فأَتى الـهَيكَلَ بِدافِعٍ مِنَ الرُّوح. ولـمّا دَخَلَ بِالطِّفلِ يَسوعَ أَبَواه، لِيُؤَدِّيا عَنهُ ما تَفرِضُه الشَّريعَة، حَمَله عَلى ذِراعَيهِ وَبارَكَ اللهَ فقال: «الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقًا لِقَوْلِكَ فقَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ الَّذي أَعدَدَته في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها نُورًا يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجدًا لِشَعْبِكَ إِسرائيل». وكانَ أَبوه وأُمُّهُ يَعجَبانِ مِمَّا يُقالُ فيه. وبارَكَهما سِمعان، ثُمَّ قالَ لِمَريَمَ أُمِّه: «ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض. وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة». وكانَت هُناكَ نَبِيَّةٌ هيَ حَنَّةُ ابنَةُ فانوئيل مِن سِبْطِ آشِر، طاعِنَةٌ في السِّنّ، عاشَت مَعَ زَوجِها سَبعَ سَنَواتٍ ثُمَّ بَقِيَت أَرمَلَةً فَبَلَغَتِ الرَّابِعَةَ والثَّمانينَ مِن عُمرِها، لا تُفارِقُ الـهَيكَل، مُتَعَبِّدَةً بِالصَّومِ والصَّلاةِ لَيلَ نَهار. فحَضَرَت في تِلكَ السَّاعَة، وأَخَذَت تَحمَدُ الله، وتُحَدِّثُ بِأَمرِ الطِّفلِ كُلَّ مَن كانَ يَنتَظِرُ افتِداءَ أُورَشَليم. ولَـمَّا أَتَمَّا جَميعَ ما تَفرِضُه شَريعَةُ الرَّبّ، رَجَعا إِلى الجَليل إِلى مَدينَتِهِما النَّاصِرة. وكانَ الطِّفْلُ يَتَرَعَرعُ ويَشتَدُّ مُمْتَلِئًا حِكمَة، وكانت نِعمةُ اللهِ علَيه.»

الموعظة

إنجيل اليوم الذي يتحدث عن النور، يأتي قبل يوم من ذكرى مذبحة أطفال بيت لحم التي قام بها هيرودس، يذكرنا بأن مجيء هذا النور إلى العالم سوف يُرفض من قبل الكثيرين الذين لا يتقبلون رسالته، بالرغم من أنها رسالة سلام ومصالحة. إنجيل اليوم يجمع بين نور يسوع وظلام الذين يذبحون الأبرياء، فتتعايش اللطافة مع المرارة. ما يجعلنا نفهم جملة يسوع في إنجيل متى «لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئتُ لأَحمِلَ السَّلامَ إِلى الأَرض، ما جِئتُ لأَحمِلَ سَلاماً بل سَيفاً» (متى 10، 34). أو مقدمة إنجيل يوحنا «النُّورُ يَشرِقُ في الظُّلُمات ولَم تُدرِكْه الظُّلُمات».

يوسف ومريم يقدمان يسوع إلى الهيكل كما تقتضي الشريعة، علامة التزامهم بها وسمعان مُقدم لنا على أنه إنسان تقي، حكيم، كذلك النبية حنة. هؤلاء اليهود الذين يعيشون بأمانة لا جدل فيها، سيكونوا حاسمين بخصوص الطفل: إنهم يعلنون نهاية الهيكل كمكان لإظهار مجد الله ومكانًا للقاء الناس مع إلههم. ومن الآن فصاعداً، أصبح هيكله الجديد هو هذا الطفل الذي حمله سمعان بين ذراعيه ورفعه، مُعلنًا إياه نوراً للأمم، ومصدر خلاص لجميع الشعوب.

من الآن فصاعدًا، اللقاء مع الله يعبر من خلاله. من خلال هذه الرواية، يقول لنا لوقا لقد انتهت مهمة الهيكل، والهيكل الجديد هو يسوع، الذي من خلاله يمكنكم، من الآن فصاعدًا، أن تكونوا في تواصل مع الآب، وتتصالحون معه. أمانة مريم ويوسف للشريعة دفعتهم إلى الهيكل، وسمعان أتى الهيكل بدافع من الروح القدس الذي يعمل منذ البدء. مع رواية تقدمة يسوع إلى الهيكل، ندخل في العهد الجديد، إلى إنجيل العهد الجديد.

بكلمات قليلة يقول سمعان الشيخ، كل شيء: يتم تقديم الطفل يسوع كحدث محوري بين الماضي والمستقبل. إن وعود إله إسرائيل، التي سمعناها في القراءة الأولى من سفر التكوين، تتحقق ليس فقط لإسرائيل بل لجميع الأمم. في قلب نص الإنجيل لدينا ما يسمى بنشيد سمعان، الذي يشكل صدى لنشيد زكريا والد يوحنا المعمدان: «تَبارَكَ الرَّبُّ إِلهُ إِسرائيل لأَنَّهُ افتَقَدَ شَعبَه وَافتَداه فَأَقامَ لَنا مُخَلِّصاً قَديراً في بَيتِ عَبدِه داوُد» (لو 1، 67-79). وسمعان يقول: «رَأَت عَينايَ خلاصَكَ الَّذي أَعدَدَته في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها نُوراً يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجداً لِشَعْبِكَ إِسرائيل».

يقول التقليد أن سمعان الشيخ كان أعمى. لذلك نحن نفهم بشكل مختلف معنى كلمات سمعان: رأت عيناي خلاصك، أطلق يا رب عبدك بسلام. يفتح لنا سمعان طريقا، ونحن يمكننا أيضا أن نرى الخلاص، مثله هو الذي انتظر لعقود من الزمان إتمام وعود الله، وظل وفيا لها، رغم كل غموض الحياة، أمينًا في إيمانه، هذا الإيمان الذي ليس إيمانًا بسيطًا إنما ثقة قوية لدرجة تجعله يقول: «أرجو وأعرف». لكن المرارة لا تبعد كثيراً عن اللطف، والعنف لا يبعد كثيرًا عن السلام.

وفي نهاية نشيد سمعان تأتي نبوءته القوية: «ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض.  وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة». يستحضر لوقا هنا صورة العبد المتألم لدى أشعيا الذي ستبلغ آلامه ذروتها على الصليب. سيكون إعلان الخلاص بمثابة ضربة السيف، يفصل بين الظل والضوء، بين السقوط والارتفاع. لأن وقت النعمة هو أيضًا زمن المواجهة بين السقوط والشفاء، وبين تمزق النفس وتحديثها، بين التجربة والفداء.

لا يوجد وعد بدون مخاطرة، واستقبال الخلاص لا يستبعد حرية الرفض. من هنا تأتي ضرورة التمييز وشجاعة الالتزام لاختيار النور، وامتياز الحياة، والعودة إلى الذات، لتمييزها من أجل تأكيدها من ناحية، ورفض الاندماج مع المحيط وخاصة المشاركة في إعلان البشارة التي تلي الميلاد. والآن بعد أن عبر العيد، ماذا سنفعل بهذا الطفل يسوع الذي تركه الميلاد بين أيدينا؟

هل سنتركه في اسطبله البائس مع مريم ويوسف والثور والحمار والرعاة وقطعانهم والمجوس وهباتهم والملائكة والنجم ... حتى عيد الميلاد القادم؟ أم أننا سنتركه على جانب الطريق ونستمر بدونه، لأننا لا نرى ماذا نفعل به في حياتنا؟ أم ... هل سنبقيه معنا ونمشي معه محتفظين بكل هذه الأحداث في قلوبنا والتأمل فيها، حتى لو كان ذلك يعني أن حياتنا ستنقلب رأسًا على عقب؟ ماذا سنفعل بيسوع؟ يختتم سمعان نشيده عن يسوع بهذه الكلمات: «لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة».

كل شيء قيل في هذه الكلمات القليلة: لن يكون الخلاص الذي دعا إليه يسوع تحولا عجائبياً للعالم ولن يكون انتصارًا جذريًا لله يلغي به كل أشكال الشر والموت. هذا الخلاص يتم في قلب وضمير كل رجل، وكل امرأة. يعبر خلاص البشرية من خلال هذا الاهتداء عند أقدام الصليب. لكل واحد واحدة منّا. بالنسبة لسمعان، يمكن تلخيص هذه المسيرة بجملة واحدة: العيش في النور والموت بسلام. أفضل من أمنية، إنها نعمة، أي أفضل كلمة يمكن أن يتحدث بها شخص ما عمن يحبهم.

 

 

 

 

SHARE