أي تربية وأي قيم لواقع اليوم؟
أي تربية وأي قيم لواقع اليوم؟
سنتحدث اليوم عن التربية. أي تربية وأي قيم لعالم اليوم أي من بعد وباء الكورونا وانعكاساته.
ترددت كثيراً في التكلم عن هذا الموضوع رغم أهميته البالغة، وذلك لسببين بسيطين الأول إن كان ما زال لدي ما أقوله لكم بهذا الخصوص، والثاني أنه من المفترض أن تصلوا أنتم على ضوء أحاديثنا إلى ماهية التربية والقيم التي من المفترض أن نوصلها أو ننقلها لأبنائنا ما بعد وباء الكورونا.
سأبتدئ بملاحظتين أساسيتين قبل البدء بالموضوع:
الملاحظة الأولى بخصوص مفهوم التربية، يتحدث البعض عن أن هناك تربية حديثة وتربية قديمة لكن ببساطة هناك تربية وهي واحدة، إذ لا توجد تربية مسيحية وتربية غير مسيحية فعندما نقول تربية مسيحية بالمعنى الحصري للكلمة فإننا نقصد التعليم المسيحي. لكن التربية هي إنسانية لأن الإنسان واحد في كل أنحاء العالم بغض النظر عن إيمانه ومعتقده وأصوله وجذوره. بما أن الإنسان واحد فمن الطبيعي أن تكون التربية إنسانية لا علاقة لها بالدين، حتى ولو كان الإيمان يضفي على هذه التربية الإنسانية أموراً خاصة تتعلق بالدين والإيمان، مثل العلوم الإنسانية فهي عامة وليست مسيحية أو إسلامية. فأكرر الإنسان هو إنسان بغض النظر عن إيمانه ومعتقده وأصله.
بالمقابل لكل مجتمع خصوصيته التي تدخل بلا شك في التربية. الأمور النفسية والتربية والعلاقات الشخصية والعائلية هي واحدة بغض النظر عن المجتمعات المختلفة والمتنوعة.
إذاً ماذا نعني بالتربية وما الهدف منها؟ الإنسان مسيرة ومشروع يتجهان إلى هدف وهو الوصول إلى الهوية الشخصية التي تميز الفرد، والوصول إلى استقلاليته وحريته الشخصية. فالوصول إلى إنسان ناضج صاحب قرار ومسؤول هي مسيرة تبدأ منذ الولادة وتنتهي بالقبر. وبالتالي التربية هي الإطار الذي يقدمه المجتمع من خلال العائلة أو المدرسة أو الكنيسة وما شابه من وسائل مجتمعية ليتمكن الإنسان من تحقيق هذا المشروع أو الاقتراب قدر المستطاع من الوصول إلى هذا الهدف لأن الوصول الكامل هو مستحيل. لا أحد يمكنه أن يدعي أنه بلغ الهدف، فلا يوجد إنسان ناضج تماماً، ولا يوجد إنسان حر تماماً، لماذا؟ لأن بلوغ الهدف مرتبط بعوامل عديدة كالماضي الخاص بي وتاريخي الفردي وكل الأمور المكبوتة لدي والتي لا أعي لها وهي كلها أمور تمنعني من الوصول إلى الكمال وإلى بلوغ الهدف بشكل تام. إضافة إلى أن هذه التربية هي عبارة عن إطار فيه محتوى لاستيكي (مرن) أي أنه يتأقلم مع المكان والزمان الذي هو فيه، وهنا يكمن خطؤنا بتسميتها تربية حديثة أو تربية قديمة. لأن التربية واحدة لكنها تتأقلم كما الإنسان وتتطور مع تطور الإنسان لكن الأسس هي نفسها.
الملاحظة الثانية أنه يوجد قاعدة هامة جداً في عالم التربية لا ندركها كثيراً، وهي أنك تزرع وآخر يحصد. هذه قاعدة ذهبية، لأننا وببساطة نريد نتائج سريعة وأتوماتيكية وهذا شيء غير موجود حتى على المستوى الزراعي إذ هناك مسافة لا بأس بها من الزمن بين الزراعة والحصاد. لذا فالنتائج تتطلب وقتاً والوقت ضروري ليستوعب الإنسان ما أعطي له ومن ثم يهضمه ليتبناه ويصبح فكره وعقيدته وإيمانه ومبادئه.
إن الإنسان بنمو مستمر وهو يتطور ويتغير. هناك أشخاص كانوا مشاغبين في صغرهم وحين كبروا صاروا مسؤولين بكل معنى الكلمة وفعالين في مجتمعهم. وهناك شباب أعلنوا إلحادهم يوماً وبعدها دقوا باب الإيمان.
كل هذا يجعلنا نقول إن الهدف الأساسي للتربية يكمن في تسليح الإنسان بالأدوات والوسائل التي تسمح له بمواجهة الواقع أياً كان هذا الواقع وخاصةً في حالة الأزمات. بمعنى آخر تعطي التربية القيم اللازمة للحياة وهذه القيم هي التي تعطي معنى لهذه الحياة.
إذاً، أي تربية وأي قيم لعالم اليوم؟
أعتقد ومن خلال الأحاديث السابقة أننا رأينا بوضوح كبير مسؤولية الإنسان بما وصلنا إليه اليوم تحديداً في فيروس الكورونا، وهذا يرتبط بوهم الإنسان بقدرته. فالإنسان اعتقد أنه قادر على كل شيء إضافةً إلى أن العلم أخذ مكانه المطلق أو تحول إلى مطلق. اسمحوا لي أن أقول شيئاً وأضعه بين قوسين: العلم والإيمان لا يتناقضان بل يكملان بعضهما البعض، لكننا نحن من نستعملهما كما نريد، ونجعلهما يتناقضان كما نريد، ونجعلهما متناغمان عندما نريد. هما مجالان مختلفان وبهذا المعنى يكملان بعضهما. يشرح العلم لي كيف تتم الأمور في العالم، يستطيع أن يقول لي كم عمر الكون أو كم عمر الإنسان لكنه لا يستطيع أن يقول لي ما معنى هذه الأمور. هنا يأتي دور الايمان أو دور الفلسفة وليس دور العلم. دون أن ننسى أننا فقدنا الكثير من القيم المشتركة و صار كل إنسان يعتبر نفسه قانوناً بحد ذاته، وتغيبت كلياً من قواميسنا للأسف عبارة الخير العام. فمثلاً كلنا مذعورون بسبب الكورونا عند سماعنا الأخبار عن انتشارها، لكن هناك ممن لا يزال لا مبالياً. إذا كنت لا تخاف وهذه حريتك الشخصية عليك ألا تنسى أنك ستنقل المرض للآخرين. وهذا هو الخير المشترك إذ تترتب علي مسؤولية ضميرية ولا يحق لي أن أكون لا مبالياً بخصوص الوقاية من فيروس الكورونا لأنني لست وحيداً بل أنا فرد في المجتمع. فعلينا أن نقوم بالخير المشترك بين بعضنا البعض وكل منا له دوره المهم.
بفضل هذا الوباء اكتشفنا وأدركنا الخطر الذي وصلنا له أو الذي سنذهب إليه أو الخطر القادم. هنا يأتي دور التربية والقيم. وعلى ضوء هذا الشيء أقول إن أول مهمة للتربية تكون في مساعدة الآخرين على الوعي بأن قدرات الإنسان قد لا تكون محدودة لكن بدون تمييز قد تؤدي بنا إلى الهلاك، وأكبر مثال هو وباء الكورونا. على حد قول القديس بولس الرسول برسالته الأولى لكورنثوس: "كل شيء يحل لي، لكن ليس كل شيء ينفع. كل شيء يحل لي لكني لن أدع شيئاً يتسلط علي".
المشكلة أن الانسان الذي يعتقد أنه سيد الكون، رب الاختراعات والتطور والنمو أصبح عبداً لما اخترعه. فبدلاً من أن يكون هو المتسلط، أصبح ما اخترعه هو الذي يتسلط عليه.
إذاً التمييز هو قاعدة أساسية وعمود فقري في التربية. يعني التمييز قبل كل شيء أنه ليس هناك من مطلق إلا الله بالنسبة للمؤمن. وما من شيء يحمي المجتمع أكثر من العمل من أجل الخير العام، لأننا وكلاء في إدارة هذا العالم ولسنا مالكين له "انموا واكثروا واملأوا". وهذا هو الفخ الكبير الذي وقع فيه الإنسان منذ سنين طوال. لذا من المهم جداً إدخال فكرة التمييز في التربية وتدريب الناس على التمييز بدءاً من المربين أنفسهم لأننا لم نتربَ أصلاً على عملية التمييز، وربما لا يعرف الكثيرون معنى التمييز. علينا أن نتعلم التمييز وننقله لمن نعمل معهم سواء أكنا كهنة أو قياديين بأنشطتنا الكنسية أو معلمين في المدرسة أو الجامعة. وأهم قاعدة بالتمييز هي مدى التطابق بين نقطة الانطلاق والهدف. أي أقول إنني أريد أن أقوم بمشروع معين، كيف أعرف أن اختياري لهذا المشروع مهم؟ إن نيتي طيبة ونقطة انطلاقي ممتازة لكنني أريد أن أعرف إلى أين سيأخذني، إلى الجنة أم الى جهنم؟
فمثلاً الاستنساخ هو فكرة مهمة بدأت بالخمسينيات هدفها وقاية البشرية من المجاعة وبالتالي بدأت الفكرة باستنساخ الحيوان والنبات حتى لا تجوع البشرية. إن طموح الانسان كبير ويريد أن يطبق الاستنساخ على الإنسان. على خلاف ما فهمته عامة الناس بأن نستنسخ البشرية بل هو استنساخ كلية لشخص مريض بدلاً من أن نشتريها من شخص فقير. فتُستنسخ الخلية التي تنتج الكلية وبالتالي يستطيع الجسم إنتاج الكلية المطلوبة. لكن الشطحات التي حدثت لاحقاً هائلة، ومن هنا وباللغة الروحية نقول إن الشيطان يأتينا دائماً بلباس الخير.
نقطة أخرى مهمة هي أن أزرع في الناس الذين أعمل معهم في المجال التربوي وأدعم وأنمي الثقة. يبدأ هذا الموضوع منذ الطفولة الأولى، بأن يكون المربي منذ البداية بموقف المشجع وليس بموقف قصقصة الأجنحة. مع الأسف في تربيتنا اليوم نقول عن كل شيء أنه لا يجوز، أو أن نعاقب من لا يأتي بعلامة جيدة ونلومه. بل علينا وحتى إن أخذ صفراً أن نشجعه ونخبره أنه بإمكانه أن يكون أفضل. هذا موقف زرع الثقة التي هي حجر الأساس وهي تسمح بمواجهة الصعوبات والأزمات وتحمينا من الوقوع في اليأس والاستسلام أمام المحن، وتمنعنا من أن نهرب من الأزمات بدل مواجهتها إذ أينما ذهبنا سيكون هناك أزمات. كل الذين هاجروا في الفترة الأخيرة من بلدنا وجدوا أنفسهم أمام أزمة الكورونا وبشكل أفظع مما هو عليه هنا.
أخيرا من المهم جداً في التربية أن نربي على الاهتمام بالطبيعة والإصغاء للطبيعة. هذه كانت الرسالة البابوية للبابا فرنسيس: "كن مسبّحاً". وباعتقادي أنه ولأول مرة يحصل نص بابوي على تشجيع عالمي من كل المجالات من الملحدين للمؤمنين، فيقول إن الطبيعة هي أختنا والعالم هو بيتنا المشترك.
بمجال التربية المسيحية تربينا للأسف على كثير من المفاهيم الخاطئة التي لا بد من تصحيحها. مثلاً تعودنا القول أنه إذا ضربك أحد في المدرسة فلا تضربه بل عليك أن تشتكي. لمَ تريد أن تربي إبنك على الضعف؟ عليك أن تقول له عندما يضربك أحد عليك أن تدافع عن نفسك. لا تسمح لأحد أن يمد يده عليك، لكن لا تبادر أنت بالضرب. إلا أننا نقوم بتغطية ذلك بلباس روحاني فنقول إن المسيح قال "من ضربك على خدك الأيمن حوّل له الآخر". أولاً الترجمة الحرفية للآية هي أنه من ضربك على خدك حوّل له آخر. أي من يعاملك بعنف حول له طريقاً آخر غير العنف. لأنه بالنظر إلى حياة المسيح أين عاش هذه الآية؟ فحين ضربه أحد الجنود أثناء المحاكمة قال له المسيح: "لماذا تضربني؟ إن كنت أسأت في الكلام فقل لي أين الإساءة، وإن لم أسئ في الكلام فلماذا تضربني"، أي فتح له مجالًا للحوار، وبطريقة غير مباشرة أفهمه أنه بودك أن تقتل معلمك وقائدك لكنك لا تستطيع فضربتني.
الأهم من هذا أن نربي أولادنا على أن الإنجيل ليس من عالم آخر، ليس كتاب أخلاق، ليس كتاباً روحانياً غير متجسد. ما يميز الإنجيل بجوهره وما يميز إيماننا المسيحي هو التجسد. ومن يقول تجسد يقول إنساني. وبالتالي إن عرفنا أن نقرأ الإنجيل فهو يعكس واقعنا الإنساني ويوجهنا إلى التعامل الأفضل مع هذا الواقع حتى يكون أكثر إنسانية. وهذه الناحية مهمة لكونها تجعلنا ندرك أن الإنسانية مسيحية والمسيحية هي إنسانية. فبقدر ما أكون إنسانياً فأنا مسيحي، وبقدر ما أكون مسيحياً أكون إنسانياً.
لا ننسَ أن الدعوة الاولى التي وجهها الله للإنسان ليس أن يكون مسيحياً - لم يكن هناك آنذاك مسيح على الأرض أصلاً- إنما أن يكون إنساناً "انموا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض". هنا يمكن أن نقع بالفخ. هذه دعوة للإنسان ليتسلط على كل شيء لكن لا يحق لك أيها الإنسان أن تتسلط على أخيك الإنسان. وبالتالي عندما لا أعمل للخير العام بل لمصلحتي الشخصية فأنا بالضرورة سوف أتسلط على أخي الإنسان وهذه هي المعضلة الكبرى التي نعاني منها اليوم والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه.