الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

العظات، يحتوي على عظات قداس الأحد على مدار السنة

موعظة يوم الأحد 30 أيار 2021، موعظة أحد الثالوث الأقدس

2021-May-30 | عظات | 696

تث 4، 32-34. 39-40   رو 8، 14 - 17   متى 28، 16-20 

 

«في ذلك الزمان: ذهب التَّلاميذُ الأَحَدَ عَشَر إِلى الجَليل، إِلى الجَبَلِ الَّذي أَمَرَهم يسوعُ أَن يَذهَبوا إِليه.  فلَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له، ولكِنَّ بَعضَهُمُ ارْتابوا. فَدَنا يسوعُ وكَلَّمَهم قال: «إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض. فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم»

الموعظة

نقرأ في الكتاب المقدس: «يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته ويصبح الاثنان جسداً واحداً». قد نتغنى بهذه الآية ونعتبرها مهمة للغاية، ولكن هل نعي بالكفاية ماذا تعني؟ إنها أفضل تعبير عما نسميه سر الثالوث الذي نحتفل فيه اليوم. هذه الآية تفهمنا المعنى الحقيقي للوحدة التي هي في العمق اتحاد ولا تلغي الاختلافات: فالرجل يبقى رجل والمرأة تبقى امرأة لكنهما مدعوان ليصبحان واحداً.

وهذا هو الثالوث إله واحد في ثلاثة أقانيم. و«الأقنوم الثالث»، إن صح التعبير، في الحياة الزوجية ــــ وهذا ينطبق على كل علاقة حقيقية ــــ هو الحب المتبادل بينهم. ولكن، كيف يمكن ترجمة هذا الكلام في حياتنا اليومية العملية؟ لقد سبق وقلت أن العلوم الإنسانية والكتاب المقدس يقولون لنا بأن الإنسان كائن مزدوج، منقسم، غير موحد ولا يمكن توحيده. وفي عمق هذا الانقسام عليه أن يحقق إنسانيته.

هذا يعني أن الإنسان يحقق إنسانيته، وبالتالي ألوهيته، أي على صورة الله كمثاله، بقدر ما يحقق هذه الوحدة مع الآخر دون إلغاء الاختلاف. هذا الأمر ليس من السهل تحقيقه لأننا نميل عفوياً إلى الاندماج في علاقاتنا، أو إلى التسلط، والحالتين تعني إلغاء الاختلاف، وبالتالي الموت. والكنيسة من جهتها تقول لنا بأن سر الثالوث هو سر الحب.

فالحب يعني إذن الاتحاد لا الوحدة. الحب يعني القبول بأنني لست كل شيء، ولا وجود لي خارجاً عن الآخر. الحب يعني أنه لا يحق لي أن أتعامل مع الآخر كشيء، كوسيلة، كما أنه لا يحق لي أن أضع يدي عليه. وهذا ما نسميه النقص الذي يميز الإنسان، أي لا يمكنني أن أكتفي يوماً من الآخر.

وأفضل تعبير عن هذا النقص نراه في مسرحية للكاتب الفرنسي بول كلوديل عندما تقزل إحدى الشخصيات للشخصية الأخرى: «أنت الوعد الذي لا يمكن تحقيقه». فالله هو هكذا: عندما يرسل الآب الابن، ينسحب الآب. وعندما يعدنا الابن بالروح القدس يهيئ لانسحابه فرحاً من أجلنا: «قُلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً» (يو 15، 11).

فرح الابن هو أن نستقبل حياة الله من الروح القدس وأن نستطيع أن نكون أحياء باتحادنا معه، ومع الآب والروح القدس. الله هو هكذا معنا: يحترم حريتنا، وبالتالي اختلافنا احتراماً مطلقاً. «إن الله أحب العالم حتى أنه جاد بابنه الوحيد» (يو 3، 16). أنه الحب الذي يعطي ذاته. «ليس من حب أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبائه» هذه الآية تشكل شيفرة حياتنا. هذه النقطة هي جوهر الكتاب المقدس.

هذا الفقدان الظاهري للذات في الحب الحقيقي، في حياة المسيح وفي حياة كل أقنوم من الثالوث يرسلنا إلى كيان الله وكيان الإنسان. هذا الفقدان للذات ليس نوع من الفلسفة التي تدعو إلى تحمل الألم من أجل لا شيء؛ فالموضوع هو الانتساب للمسيح، والدخول في سر الله؛ سر يُظهر ذاته في الإفخارستيا حيث الله يعطي ذاته لأجلنا ويضع ذاته بين أيدينا.

مقاومة مسيرة التخلي عن الذات تجعل حياتنا وضيعة وضعيفة. قبولها يقلب حياتنا كلية. فلنشكر الله على حضوره وعلى العطاء الذي يعطينا إياه من خلال الآخرين بدلاً من أن نحزن على كل ما لم يعطينا إياه بحسب رؤيتنا ومفاهيمنا. يوحنا المعمدان دخل في هذا السر الثالوثي عندما قال بخصوص يسوع: «عليه أن ينمو وعلىَّ أن أصغر».

هذا الكلام يعبر عن سر الخادم أو عبد الله والذي سجله يسوع في ذاكرتنا من خلال غسله أرجل تلاميذه. والقديس اغناطيوس دي لويولا يدعو، في تمارينه الروحية، من يعيشونها، في لحظة التأمل في سر قيامة المسيح، أن يطلبوا النعمة التالية: «أطلب النعمة لكي أشعر شعوراً شديداً بالابتهاج والفرح لكلّ ما للمسيح ربنا من مجد وفرح» ليس فرح اللقاء بالمسيح، إنما الفرح بأن المسيح هو في الفرح والمجد.

هذا عكس الغيرة. الغيرة تجعلنا نؤمن بأن العطاء والفرح المُعطى للآخرين قد اُنتزع منّا أو رُفض لنا؛ وتبقى الأنا هي مركز كل شيء. المكان حيث هذه المعركة وهذا التمييز يتحققوا في حياتنا الشخصية، الزوجية، العائلية، والرهبانية؛ في العمل والمدرسة، في حياة المتقاعد وفي الجماعة المسيحية.

الحياة الثالوثية هي لا مركزية الذات وانفتاح على سر ورسالة الآخر في الاتحاد بين الأقانيم الثلاث وفي رغبة الخلاص، في الحياة الإنسانية واستقبال هذه الإنسانية في الله.

في حب الآب والابن والروح القدس هناك مكان لنا ولكل البشر في الحياة الثالوثية. فنحن مُنتَظرين في الله.

 

SHARE