موعظة يوم الأحد 30 تشرين الثاني 2025. موعظة الأحد الأول من زمن المجيء
أش 2، 1 – 5 رو 13، 11 – 14 متى 24، 37 – 44
«وكما كانَ الأَمرُ في أَيَّامِ نوح، فكذلكَ يكونُ عِندَ مَجيءِ ابنِ الإِنسان. فكَما كانَ النَّاسُ، في الأَيَّامِ التي تَقَدَّمَتِ الطُّوفان، يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ويَتزَّوجونَ ويُزَوِّجونَ بَناتِهِم، إِلى يَومَ دخَلَ نوحٌ السَّفينَة، وما كانوا يَتَوَقَّعونَ شَيئًا، حتَّى جاءَ الطُّوفانُ فجَرَفهم أَجمَعين، فكذلكَ يَكونُ مَجيءُ ابنِ الإِنسان: يَكونُ عِندَئِذٍ رَجُلانِ في الحَقْل، فيُقبَضُ أَحَدُهما ويُترَكُ الآخَر. وتكونُ امرأَتانِ تَطحَنانِ بِالرَّحَى فتُقبَضُ إِحداهما وتُترَكُ الأُخرى. فَاسهَروا إِذًا، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ أَيَّ يَومٍ يَأتي ربُّكم. وتَعلَمونَ أَنَّه لو عَرَفَ رَبُّ البَيتِ أَيَّ ساعةٍ مِنَ اللَّيلِ يَأتي السَّارِق لَسَهِرَ ولم يَدَعْ بَيتَه يُنقَب كذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضًا مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَحسَبونَها يأَتي ابنُ الإِنسان.»
الموعظة
كما قلت منذ بضعة أسابيع، كلام المسيح الذي سمعناه يُصنّف بالأسلوب الرؤيوي أي قراءة تاريخ البشرية على ضوء كلمة الله وليس نبوءة. وبالتالي يسوع يصف واقع البشرية منذ بدئها. اليوم هو الأحد الأول من زمن المجيء، التهيئة للميلاد. والمجيء هو زمن انتظار، زمن صبر. هذا الصبر يتعارض مع عصرنا، الذي يتطلب كل شيء الآن. هذه الفضيلة، عند تطبيقها على الحياة الروحية، تُعلّمنا تقبّل حدودنا والتعامل مع الحياة بحكمة.
فنحن نعيش في عالم أصبح فيه نفاد الصبر هو القاعدة. يصف أحد الفلاسفة هذا الوقع ب «تسارعًا» حادًا. ويوضح أن هذه الطريقة في العيش «بأسلوب قتالي» ـــ بالطبع لا يعني السلاح ـــ تُؤدي إلى «منطق عدواني تجاه الذات والآخرين والطبيعة». من جانبه، البابا فرنسيس يقول: «في حياتنا اليومية، جميعنا نفتقر للصبر». فضيلة نحتاجها كـ «فيتامين أساسي» للحياة. (...)
من الصعب أن نحافظ على هدوئنا، وأن نتحكم في غرائزنا، وأن نكبح جماح ردود أفعالنا السيئة، وأن ننزع فتيل الخلافات والصراعات في الأسرة، وفي العمل، وفي الجماعة المسيحية. ويطرح السؤال: كيف يمكننا الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ البعض يجيب: لكي نبقى في حالة هدوء، علينا أن «نتنفس بعمق»، وأن «نأخذ بعداً»، وأن «نتخلى عن التحكم بكل شيء». يمكننا أيضًا اللجوء إلى فضيلة قديمة تُسمى «الصبر»، والتي قد تبدو للوهلة الأولى أقل جاذبية. في الكتاب المقدس، العهد القديم لا يعرف كلمة الصبر.
يُعبَّر عنه ب «طول النفس»، أو «بقصر النفس». فالصبر من صفات الله. يؤكد الرسول بولس أن «المحبة تصبر» (1 قور 13، 4)؛ وأن هذا من «ثمار» الروح القدس، إلى جانب المحبة والفرح والسلام واللطف والصلاح والوفاء (غلاطية 5: 22). الصبر هبة من الله: «مُتَقوِّينَ كُلَّ قُوَّةٍ بِقُدرَتِه العَزيزة، على الثَّباتِ التَّامِّ والصَّبْرِ الجَميل»، (كول 1، 11). وهو يشهد على رحمته بالخطأة. في (2 بط 3، 9): «إِنَّ الرَّبَّ لا يُبطِئُ في إِنجازِ وَعْدِه، كما ٱتَّهَمَه بَعْضُ النَّاس، ولٰكِنَّه يَصبِرُ علَيكم لِأَنَّه لا يَشاءُ أَن يَهلِكَ أَحَدٌ، بل أَن يَبلُغَ جَميعُ النَّاسِ إِلى التَّوبَة».
اهتداء يقتضي، على وجه الخصوص، تقبّل إنسانيتنا. فلا ننسى «إنّ نفاد الصبر جزءٌ من طبيعتنا البشرية»، نرغب دائمًا في المزيد، والأفضل دائمًا. الكاتبة كريستيان سينجر: «إلى أين تركض؟ ألا تعلم أن الجنة في داخلك؟». يرتبط نفاد صبرنا بمحدوديتنا، بفنائنا الذي نحاول الهروب منه، مع أنّه أمرٌ جيّد في حدّ ذاته. يدفعنا هذا إلى أن نسأل أنفسنا: إلى أين توجّه رغبتك، أنت يا من وقتك محدود؟». علينا أن نتخلى عن حلم القدرة المطلقة، وأن نتقبّل حدودنا وحدود الآخرين.
تقول ماري إيف هومري: «كلما قلّ إدراكي لحدودي وتقبّلي لها، زاد فقداني للصبر مع الآخرين. كل ما لا أطيقه لدى الآخرين يعكس جانبًا مظلمًا من ذاتي، كل ما في داخلي يحتاج إلى التهدئة والشفاء والتحرير ــــ أن يُجلّيه المسيح. لأن الله وحده هو الكامل في النهاية، وبه وحده يُمكننا التقدم تدريجيًا على هذا الطريق. فالصبر هو أساس التسامح، تجاه الذات والآخرين».
لإنشاء محطات درب الصليب الجديدة في إحدى الكنائس، أجرت الرسامة والخطاطة فاليري موندون بحثًا أيقونيًا مُكثّفًا، أعقبه العديد من الرسومات والمسودات. استغرقت العملية بأكملها عامًا كاملًا. كانت فترة «النضج» هذه أساسية، فنيًا وروحيًا. تشرح قائلةً: «كنت أعلم أن العمل سيستغرق وقتًا طويلًا. تمكنت من إنجازه بهدوء». قبل التأمل في كل محطة، كنت أتلو المزمور المُرتبط بها. انغمستُ بعمق في كل ما عاناه المسيح: الظلم، والإذلال، والعنف... شعرتُ وكأنني أستطيع لمس معاناته.
كان عليّ أن أُكمل درب الصليب لأكتشف أنه أيضًا طريق حياة. فبعد المعاناة والموت، تُحدث القيامة تحولًا: تفتح أبواب الحياة. ففي أوقات الشدة يُختبر الصبر حقًا. معلمة هاجرت إلى أوروبا بعد اختبارها الحر في بلدها الأم تقول: «كان والدي يُغذيني بكلماتٍ ومقولاتٍ مُطمئنةٍ. كان يقول لي: «اصبري، لكل شيء نهاية؛ الله دائمًا بجانبنا، مهما حدث. والأمر متروكٌ لكِ أن تلجأي إليه، ليمنحكِ قوته، لتتمكني من الاستمرار في الابتسام للحياة، رغم الصعاب».
أمام طلابها الذين يفقدون صبرهم، تُشارك لانا الآن فلسفتها في الحياة معهم. «عندما يشعرون بالإحباط ويقولون: لا أستطيع فعل ذلك!»، أجيبهم بلطف: «لا تستطيعون فعل ذلك الآن. عليكم المثابرة. ستجدون طريقكم بأنفسكم. مع مرور الوقت، سيأتيكم».
«عندما نُعاني، نرغب في التحرر فورًا مما يُثقل كاهلنا، لكننا لا نستطيع تخطي الخطوات. ومع ذلك، فإن الصبر لا يعني البقاء سلبيين من خلال الخضوع أو الاستسلام»، فمن مسؤوليتنا أن نعمل بكامل طاقتنا، أينما كنا، ونبذل قصارى جهدنا، بكل ما أوتينا من قوة، مدركين أن ليس كل شيء يعتمد علينا. فالأمور تتجمع وتتلاشى بوتيرة لا نتحكم بها حقًا. في الله، نجد ذلك التناغم الداخلي الذي يمنحنا القوة لنصمد ونتحرك ونكون واثقين.