الكلمة

المقالات

تصفح المقالات حسب التصنيفات الرئيسية في الموقع، بما فيها عظات قداديس أيام الآحاد على مدار السنة

مواضيع تربوية نفسية، يطرحها الأب رامي الياس المختص بعلم التحليل النفسي

الإلحاد معناه ودوافعه

2022-Aug-21 | مواضيع تربوية نفسية | 555

الإلحاد معناه ودوافعه

 

بدأنا هذه اللقاءات بسبب وباء الكورونا. وتساءلنا حينها إن كانت الكورونا نقمة أم نعمة وكيف أعيش إيماني بظلها؟

في هذا الخط اخترت موضوع اليوم وهو الإلحاد لأنني أعتقد أنه يتماشى مع هذين الحديثين في ظل انتشاره كما يقال، بينما لا أحد يعرف تماماً معنى الإلحاد. لذلك أنتهز الفرصة للحديث بشأنه إذ أنه يقسم أحياناً أفراد الأسرة الواحدة، كما أن المجتمع لا يتقبل ببساطة أن يقول أحدهم إنني ملحد.  

معنى الإلحاد ودوافعه

اشتركت بندوة مباشرة على ما أذكر في عام 2010  في إحدى الإذاعات السورية مع أحد رجال الدين الإسلامي حول موضوع الإلحاد. وكان من الواضح انتشار هذا الموضوع في سوريا بين الشباب بشكل خاص ومن مختلف الطوائف. وعبر الشيخ المشارك عن قلقه الجدي من الموضوع حيث ذكر أنهم شكلوا لجنة خاصة في الجامع للتعاطي مع إحجام الشبيبة عن الصلاة وكيفية استقطابهم.

إن هذا الموضوع بالطبع موجود منذ زمن طويل لكن بشكل غير علني لأن ضغط المجتمع لم يكن ليسمح ببروزه. والسؤال الذي طُرح في بداية تلك الندوة هو هل يحق للإنسان أن يكون ملحداً؟ استغربت شخصياً هذا السؤال وكانت ردة فعلي العفوية هل يحق لنا أن نفرض الإيمان وإن فرضناه ألا يعني ذلك الاستهزاء بالإيمان بالله وبالإنسان. بدون شك هناك شعور عام اليوم بأن موضوع الإلحاد قد أصبح كبيراً ويلمس شريحة واسعة من الناس، لكن ماهو الإلحاد ومن هو الملحد؟   

يعتقد كثير من الناس أن الإنسان الملحد غير مؤمن أو كافر أو الاثنين معاً. أذكّر ألا وجود برأيي لإنسان غير مؤمن، فإنسان بدون إيمان يعني حياة لا معنى لها وبالتالي تصبح مستحيلة. إن الملحد مؤمن بطريقته الخاصة فقد يكون مؤمناً بالإنسان أو بقضية معينة، والسلسلة تطول. أعتقد شخصياً أن الموقف المتشدد بالدين وكل ما يحمله من تشوهات له دور مهم في ولادة الفكر الإلحادي. بالمقابل ساعد الفكر الإلحادي الكنيسة وبقية الأديان على تنقية مفاهيمها الدينية ودفعها باتجاه فكر متين مبني على المنطق والعقل وقادرعلى تقديم بعض الأجوبة على تساؤلات الناس. وسأتوسع بهذه النقطة في نهاية الحديث.   

كانت معنا في الندوة التي نوهت لها سيدة تعمل بمجال الدعم النفسي توجهت قائلة للشيخ إن الأولاد الذين عملت معهم قالوا لها: بيوتنا تهدمت فوق رؤوسنا وأهلنا ذبحوا أمام أعيننا وأنتم تقولون الله يحمينا. هل تستطيعون أن تقولوا لنا أين هو الله الذي يحمينا؟

بمعنى آخر الإلحاد يدعونا أو يدفعنا لنعبر من الطفولة الفكرية إلى النضج الفكري والروحي. يطرح هذا الموضوع تساؤلاً آخر مهماً جداً هو العلاقة بين العقل والإيمان.

مع الأسف تربينا أن العقل والإيمان متناقضان وأن لاعلاقة للعقل بالإيمان مع العلم أن الفكر المسيحي الصحيح يعترف بأهمية ودور العقل بما يخص الإيمان. يقول فرانسوا فاريون في كتابه (فرح الإيمان وبهجة الحياة) إنه من واجب المؤمن ومن حقه أن يفهم ما يؤمن به. وأنا أضيف وأقول إن العقل يحمي الإيمان من الوقوع في السذاجة، والإيمان يحمي العقل من الوقوع في الديكتاتورية. أضف إلى ذلك وجود ثغرة كبيرة في التعليم والتدريس في بلدنا، حيث لا مكان للعقل والتفكير. ليس لك حق أن تفكر أو تستعمل عقلك ويتم الاكتفاء بالحفظ والتكرار.

قد يكون أحد أسباب الإلحاد أننا تعودنا عندما نجد أنفسنا أمام معضلة ليس لدينا جواب عليها أن نقول إن الجواب عند الله والجواب في الدين، في الوقت الذي أصبح فيه العلم اليوم قادراً على الإجابة عن الكثير من هذه المعضلات وبعيداً عن الله. إضافة إلى أن الإنسان الملحد لا يقبل إلا بما هو حسي وملموس وهذا غير كافٍ لأنه في حياة الإنسان هنالك كثير من الأمور غير الملموسة لكن لا يمكن إنكارها على الإطلاق.

هناك فئة أخرى من الملحدين -وهنا لا أستطيع ان أقول هناك الكنيسة وهناك الإلحاد وإنما هناك الكنيسة وهناك إلحادات- وهم الأغلبية في بلدنا قد أعلنوا إلحادهم بسبب تصرفات رجال الدين ومن كل الطوائف.

"الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون فإنكم تقفلون ملكوت السموات في وجوه الناس فلا أنتم تدخلون ولا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون. فإنكم تجوبون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً فإذا أصبح دخيلاً جعلتموه يستوجب جهنم ضعف ما أنتم تستحقون".  هؤلاء ليسوا بملحدين فكرياً إن صح التعبير بل هم بوضع ردة الفعل رافضين للسلطة الدينية وتصرفاتها والطقوس الدينية وخاصة الفجوة الهائلة بين الوعظ وبين الحياة. ملحدو اليوم يرفضون كل خطاب ديني بسبب عدم ثقتهم برجال الدين خاصةً أن هذه الخطابات منفصلة كلياً عن أرض الواقع وبالتالي لاتحمل لهم أية أجوبة مقنعة وواقعية ومقبولة.

بالطبع هناك الملحد الذي يؤمن بالله لكنه لا يمارس الطقوس الدينية ولا يبالي بها، أو الملحد الذي يقول أنا لا أعرف شيئاً وليس لدي جواب على المعضلات الكبيرة كالألم والشر والموت. وهناك الإلحاد الهجومي الذي يهاجم الدين ويكافحه بشتى الوسائل كما هي الحال في الصين مثلاً. وأخيراً وليس آخراً هناك ما يسمى بعبدة الشيطان، لكن لائحة الإلحاد طويلة. يمكن أن نقول إن الفكر الإلحادي موجود منذ البدء وبالتالي شخصياً أستطيع أن أضع تصرف آدم وحواء على أنه تصرف إلحادي بما أنهما اعتقدا أنهما قادران على أن يضعا الله جانباً ويكتفيا بذاتهما وليسا بحاجة لله.

منذ القرن الثالث عشر بدأ في أوروبا انتشار الفكر العلمي مع راهب فرنسيسكاني إيرلندي اسمه روجر بيكون الذي يقول -مع أنه لم يكن ملحداً- إنه لا يؤمن إلا بما يراه أو يقع تحت الحواس. من هنا ابتدأ رويداً رويداً ما يسمى بالإلحاد المعاصر حيث الثقة المطلقة هي للعلم والتجارب العلمية. وبدأ الغرب شيئاً فشيئاً يتخلص من السلطة الكنسية ومرجعية الإيمان كمصدر وحيد للفكر وقوانين الحياة. ثم أتى عصر النهضة الذي شكل ثورة فكرية محورها تأليه الإنسان المعتَبر المرجع والأساس وليس الله. تلتها اكتشافات كوبرنيك وبعده غاليليو اللذين قالا إن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، وكما نعرف أدانتهما الكنيسة ثم بعد سنين وسنين طوال تم الاعتراف بهما من قبل الكنيسة نفسها.

وأخيراً وليس آخراً أتت الثورة الفرنسية المعروفة بنتائجها وجذريتها وأتى نتيجة لذلك كله عصر التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الذي يتميز بالثورة العلمية وتحكم الإنسان بالطبيعة ومواردها بحسب حاجاته ورغباته وكما يشاء دون رقيب. الثورة الصناعية والتكنولوجية مع كل نتائجها التي نعرفها، وكل هذا التقدم دفع الإنسان إلى رفض أي سلطة فوقه وبالتالي أصبح هو السيد الآمر الناهي. ساعد هذا الواقع الكنيسة والمختصين بالكتاب المقدس على إعادة النظر بمفهومهم للكتاب المقدس، الأسطورة ، الرمز، إلخ والتي لم تكن الكنيسة تعترف بها من قبل.

وفي التاريخ هناك شخصيات تاريخية لها دور كبير بشكل مباشر أو غير مباشر في ولادة الفكر الإلحادي (ديكارت، كانت، نيتشه، سبينوزا، ماركس وغيرهم) إلى أن أتى الأب بيير تيار دوشاردان اليسوعي الذي على عكس هؤلاء المفكرين تبنى -وهو رجل علم- طريقة البحث العلمي نفسها لكنه توصل إلى رؤية أكثر شمولية حيث جمع بين الفلسفة والبعد العلمي وأهم مؤلفاته (ظاهرة الإنسان وبالمادة أصلّي) حيث قدم نظرية جديدة عن تطور الكون. مُنعت كتاباته في الكنيسة في فرنسا وهاجر إلى أمريكا، إلى أن أتى البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بينديكتوس السادس عشر اللذان مدحا كثيراً نظريته وأشادا بها. استطاع تيار دوشاردان أن يدمج بين الإيمان والعلم الحديث فتبنى نظرية التطور وقبِلها بكل ما فيها من وقائع وحقائق حتى تكون لديه قاعدة لتفسير الخلق والكون والتاريخ. فأزال إن صح التعبير الإله الفوقي خالق السموات والأرض ووضع مكانه كلمة من فمه أو بيديه، وركز على الله الذي يندمج بالخليقة مما يجعلنا نعتبره أي الله محور التطور، إنه الإله الحي وهذا من صميم الإيمان المسيحي ومن صميم سر التجسد. يلتقي فكر تيار دوشاردان بقوة مع فكر بولس الرسول عندما يتحدث عن المسيح الشامل الكوني الألف والياء كما يقول لنا سفر الرؤيا. هذا يعني أن الإنسان عندما يقبل معطيات العلم الحديث ويستطيع إدماجها مع إيمانه يجد الطريق الصحيح وهذا ماحققه تيار دوشاردان. هذا الأمر يجعلنا لا نخاف ونظل ثابتين وواثقين من إيماننا مهما كانت اكتشافات العلم التي تساعدنا دائماً على تجديد إيماننا وتنقيته من كل الشوائب الوثنية.

ماهي أسباب الإلحاد؟

أسبابه عديدة ولا تحصى سنذكر بعضها:

إيقاع الحياة العصرية حيث ليس لدى الإنسان اليوم دقيقة لنفسه كي يصلي أو يفكر أو يتأمل بموضوع الله، إلخ.  

العلم حيث كان المعتقد عند الكثير من المسيحيين أن الله مسؤول عن كل ما يحدث في العالم. كشف العلم اليوم عدم صحة هذا المعتقد لأن العلم اليوم قادر أن يكشف أسباب مختلف الظواهر الطبيعية وغيرها. بالطبع هناك ظواهر ليس لديه أجوبة لها لكن هذا لا يعني أن الله مسؤول عنها.

الحضارة وعلم الصناعة حيث تم الانتقال بشدة من المجتمع الزراعي الريفي إلى المجتمع الصناعي والتجاري المبني على الإنسان وليس على الله، فأبعد الناس عن الدين والإيمان.

كما أن العلمنة واستقلالية القطاع العلمي عن الديني، ورفض هيمنة الإكليروس على السياسة والمجتمع والتعليم، واكتشاف الحرية الإنسانية، ودور الفرد خلق تناقضاً. فإذا كان كل شيء يعود لله فأين هي حريتي؟. غالباً ما نتبنى بشكل لا واعٍ موقف جان بول سارتر المعروف بتشاؤمه وإلحاديته والذي كان يقول إذا كان الله موجوداً فالإنسان عدم وإذا كان الإنسان موجوداً فالله عدم.

انهيار المجتمع التقليدي الهرمي بدءاً بالدولة مروراً بالمجتمع عبوراً بالكنيسة وصولاً للمدرسة حيث كانت البنية هرمية. ونعرف اليوم أن هذا الهرم لم يعد موجوداً والكل يعتبر نفسه رئيساً ومتساوياً مع بعضه. لأنه إذا لم يكن هناك هرمية فإنه لا وجود لله أيضاً.

العولمة وشبكات الإنترنت حيث فُقدت الحقيقة وأصبح التمييز أمراً شائكاً جداً. بالمقابل هناك قضايا دينية تدعم الإلحاد أولها التعصب الديني لأنه لا يمكن إلا أن يولد عكسه.

الطريقة التي نقدم بها الكتاب المقدس والإيمان المسيحي حيث مع الأسف إن الدين تكراري ويشجع على الركود والروتين والثبات بينما العلم تقدمي وينظر للمستقبل، فضلاً عن صعوبة عيش الإيمان المسيحي نظراً لمفهومه الخاطئ. حيث أن تصرفات بعض رجال الدين وقضية الشر والألم والعذاب لا جواب نهائياً لها أبداً.

ماهو تحدي الإلحاد للإيمان؟ هل الإلحاد يتحدى الإيمان أم أن الإيمان يتحدى الإلحاد؟

يحطم الإلحاد أصنام الدين أو كاريكاتور الإله أو الصورة المزيفة للإيمان. هذه نقطة هامة جداً تساعدنا على تنقية إيماننا من كل الشوائب الدخيلة عليه والتي نحن مع الأسف متمسكون بها بدرجة كبيرة. حتى الآن يأتيني أناس يقولون لي أنا نذرت لله لكنني غير قادر على الإيفاء بهذا النذر فماذا سيحصل لي. أقول لهم ما الذي سيحصل لكم؟ في المسيحية كلها ليس هناك أصلاً فكرة النذر. لكننا لا نزال متمسكين بها وهناك أناس يتاجرون بها للأسف.

ذلك يذكرنا بموقف الله بسفر إشعياء، يقول الله لشعب العهد القديم "ما فائِدَتي مِن كَثرَةِ ذَبائِحِكم؟ قد شَبِعتُ مِن مُحرَقاتِ الكِباش وشَحمِ المُسَمَّنات وأَصبَحَ دَمُ الثيرانِ والحُمْلانِ والتُّيوسِ لا يُرْضيني. لا تَعودوا تأتوني بِتَقدِمَةٍ باطِلَة إِنَّما إِحراقُ البَخورِ قَبيحَةٌ لَدَيَّ. رُؤُوسُ شُهورِكم وأَعيادكم كَرِهَتها نَفْسي صارَت عَلَيَّ حِملًا وقد سَئِمتُ اِحتِمالَها. فحينَ تَبسُطونَ أَيدِيَكم أَحجُبُ عَينَيَّ عنكم وإِن أَكثَرتُم مِنَ الصَّلاةِ لا أَستَمعُ لَكم لأَنَّ أَيدِيَكم مَمْلوءَةٌ مِنَ الدِّماء".

فهل الله ملحد. بالتأكيد ملحد أمام هذه المواقف المشوهة للدين.

كتب الكاتب والصحفي الإسباني خوان أرياس كتاباً ترجم إلى العربية عنوانه (لا أؤمن بهذا الإله) يقول إن الإلحاد المعاصر هو رفض للصنمية وليس لحقيقة وجود الله لأن أشكال الأصنام عن الله متنوعة وكثيرة. وهذا يجعلنا نقول إنه من الضروري على المسيحي في بلدنا أن يعبر بالإلحاد ليصل إلى الإيمان الحقيقي. فالإيمان بالله الحي وليس بالله الصنم. إن العلاقة الشخصية مع الله تنمي الإنسان وهذه من أهم ميزات العصر الحديث حيث للفرد مكانة كبيرة. إضافةً إلى أن ما يميز الإيمان الصحيح خبرة حياة وليس مجموعة من العقائد. والرسالة الأولى لبطرس تقول "كونوا دائماً مستعدين لأن تردوا على من يطلب منكم دليل ما أنتم عليه من الرجاء". الرجاء خبرة وليس إلا خبرة. إن الكنيسة مسؤولة عن الإلحاد في أكثر من مجال، من جهة عدم تثقيفها لأبنائها دينياً ومن جهة أخرى تقديمها نظرة سلبية للإنسان وللعالم وأخيراً تركيزها بشدة على الخطيئة وعلى العقاب.  

التوتر بين الكنيسة المؤسَسة والكنيسة النبوية

هناك تياران في الكنيسة تيار الكنيسة المؤسَسة وتيار الكنيسة النبوية. بتيار المؤسسة هناك بعض رجال الدين ممن وضعوا قوانين وجمدوها. أضف إلى ذلك الطقوس حيث هناك من يتمسك بالحرف فتكون النتيجة التقوقع داخل إطارات دينية متحجرة لا تناسب ظروف الأيام التي يعيشونها ومتطلباتها. وبالتالي نلاحظ توتراً بين الكنيسة المؤسسة والكنيسة النبوية الثائرة والمتطورة. فالجمود يقود إلى التخلي عن الدين وحتماً في النهاية إلى الموت. وصحح الإلحاد مفاهيم كثيرة في إيماننا ودفعنا إلى التحرر من القيود والتخوفات والتصورات الخاطئة التي كانت تشكل عراقيل في مسيرتنا المسيحية. بهذا المعنى نقول إن وجود الملحدين أمر إيجابي ووجود الإلحاد جعل الكنيسة ترى نفسها بمواجهة الرفض والمعارضة والاحتجاج والابتعاد عنها. وأصبح رجل الدين بموقف حرج جداً وليس لديه أجوبة كما أن الأسئلة المطروحة تتطلب إجابات مقنعة مبنية على الحجج والعقل مما يُشعر رجل الدين بالعجز، إذ تعود بتكوينه اللاهوتي الإكليريكي على مخاطبة أشخاص مؤمنين فكل ما يقوله الأبونا نؤدي التحية له. أما اليوم يجد نفسه بمواجهة مع أناس يتساءلون بشكل جذري ويطلبون تبريراً لما يسمى بالمسلمات الإيمانية التي كانت بالماضي مقبولة بدون تردد ومع التحية. وهذا يتطلب من رجل الدين تكويناً مختلفاً منفتحاً على العصر والاكتشافات الحديثة، وعلى العقلية المنهجية. على الكاهن أن يلجأ للتفكير والنقد والإصغاء لما يقوله الناس ولا يعتبر نفسه المتحدث الوحيد. تعود الناس في الماضي على الذهاب للكنيسة للاستماع للكاهن الذي يمتلك كامل الحقيقة، أما اليوم فقد اختلف الوضع حيث من المطلوب من الكاهن أن يصغي للاعتراضات قبل أن يتفوه بكلمة، ويقبل أن يصمت أحياناً، وأحياناً أخرى لا يستطيع الرد. وعليه أحياناً ألا يحاول أن يبرر بأية وسيلة وألا يكفر معارضيه.

ينتظر الملحد من المؤمن رداً مقنعاً علمياً ومنطقياً فهما ليسا بصراع ولا بمواجهة هجومية وإنما بمحاولة بحث حقيقية تتجاوزهما محاولة اكتشاف الحقيقة مع بعض بمنتهى الأمانة والإخلاص. للمرة الأولى بدلاً من أن تهاجم الكنيسة الملحدين والإلحاد نجدها تتساءل بتواضع عن هذه القضية وتدفع المؤمنين للحوار والتحرك الإيجابي.  

في المجمع الفاتيكاني الثاني الذي عقد عام 1962، هناك وثيقة عنوانها الفرح والرجاء، الرقم /21/ عدد (2) وهي الأساس بفتح الحوار مع الملحدين. تقول الوثيقة إن الكنيسة ستحاول أن تتفهم ماهية الأسباب الخفية لرفض الله في عقول هؤلاء الملحدين. وبوعي كامل عن مدى خطورة المسائل التي يطرحها الإلحاد وبدافع حبها لجميع البشر تعتبر أنه يجب عليها تناول كل هذه الأسباب بروح البحث الجاد والعميق. وبالتالي يقول الموقف الإيجابي والسليم إن المسيحية تقدم حقائق ومفاهيم جديدة لا نجدها في مكان آخر، ويمكن اعتبارها رداً على الكثير من تساؤلات الإلحاد واعتراضاته فهناك منطق فريد في المسيحية يمكن أن يقف أمام الإلحاد المعاصر. في المسيحية فكرة الله الحب وليس إلا الحب بإمكانها أن تغير كل شيء، إضافة إلى أن المسيحية الحقيقية تعظم الإنسان وتكرمه وهذا يمكن أن يكون مصدراً أساسياً للرد على الإلحاد المعاصر. كما يقول أحد آباء الكنيسة القديس إيريناوس مجد الله هو الإنسان الحي وبالتالي يمكن اعتبار الإلحاد على أنه ثمرة المسيحية. فمن الضروري جداً أن نبحث عن أسباب إلحاد هؤلاء الناس دون أن نحكم عليهم مسبقاً بأنهم مخطئون دون أن نقوم ببحث أو دراسة. وهذا يتم من خلال مراعاة أمرين مهمين:

الأمر الأول: التواضع أمام حقيقة تفوقنا جميعاً. التواضع أمام إله لا نستطيع أن ندركه بالكامل ولا أن نستوعبه، فهو يفوق كل محاولة بشرية تسعى لأن تحتويه. 

الأمر الثاني: عندما نتقابل مع إنسان لا يفكر مثلنا، مبادئه تختلف عن مبادئنا نشعر بشيء من الحذر والتوجس اللاإرادي خوفاً على مبادئنا ومعتقداتنا. هذا موقف مرضي وغير صحي لأن الخوف من فقدان الإيمان أو الحب أو الصداقة دليل حقيقي وواضح على ضعف إيماننا ووهن حبنا وتفاهة صداقتنا. هذا يعني أن الإيمان كأساس بحياتي أو أن حقيقة الحب والصداقة لم تمتلكني ولم تسكني كلية بعد. فالإيمان الصادق والواعي يتحقق بعد التساؤل والشك، والإلحاد هو النار المنقية والمطهرة التي لا بد من أن يعبر بها كل مؤمن ليبلغ الحقيقة الكاملة. علينا ألا نخاف من الملحد بل أن نعتبره أشد صدقاً منا في بحثه عن الحقيقة لأن لديه الشجاعة على أن يواجه الشك الذي فيه وأن يطرح الأسئلة التي نتحاشاها عادة. المفروض أن يساعدني بتساؤلاته وشكوكه على التعمق بإيماني. وبالتالي أول خطوة في مواجهة الإلحاد محاولة فهم أسبابه وافتراض حسن نيته وأمانته وأن هذا الإنسان ليس شريراً منحرفاً لكن له أسبابه لرفض الله تستحق البحث والتوقف عندها وهذا يتطلب من المؤمن نوعاً من القبول.

البحث عن الله أخيراً بصفته حقيقة تفوقنا. إذ أننا لانتكلم عن حقيقة علمية فأي حقيقة هي شيء محدد يمكن للإنسان تخيلها وتصورها والتعبيرعنها أما الله فهو حقيقة مطلقة، الكائن اللامتناهي اللامحدود والبحث عنه وبقضيته ليس له نهاية. لذلك كقاعدة ذهبية يجب ألا نتوهم أن إيماننا هو موقف نهائي وصلنا به إلى الله فنقول إننا نعرف الله فهو أبعد من إدراكنا بكثير، فإن الله سر، الله كائن مجهول.

 

     

   

 

 

 

SHARE